تحل ذكرى أحداث 26 يوليو 2013 في محيط مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، حاملة معها مشاهد مؤلمة لا تزال راسخة في ذاكرة أسر الضحايا وذويهم، بعدما سقط عدد من المواطنين برصاص أنهى حياتهم خلال واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا وعنفًا في تاريخ المدينة الحديث. خرج الضحايا يومها وهم يحملون آمالًا وتطلعات إلى مستقبل أفضل، لكنهم لم يعودوا إلى منازلهم، وتحولت أسماؤهم إلى شواهد على مأساة إنسانية ما زالت أسئلتها المتعلقة بالحقيقة والعدالة والمحاسبة مطروحة حتى اليوم.

 

وفي الذكرى السنوية للأحداث، أعاد مركز الشهاب لحقوق الإنسان التذكير بأسماء عدد من الضحايا، مؤكدًا أن حفظ الذاكرة وتوثيق الوقائع لا يمثلان مجرد استعادة لأحداث مضت، بل يعدان جزءًا أساسيًا من مسار المطالبة بكشف الحقيقة وإنصاف أسر القتلى ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. كما شدد المركز على أن الحق في الحياة لا يجوز التهاون فيه، وأن الجرائم والانتهاكات الجسيمة لا ينبغي أن تُطوى صفحاتها بمرور الزمن أو تُمحى من الوعي العام.

 

يوم دامٍ في قلب الإسكندرية

 

شهد محيط مسجد القائد إبراهيم في السادس والعشرين من يوليو 2013 تجمعات حاشدة وسط أجواء سياسية وأمنية شديدة التوتر. ومع تصاعد الأحداث، تحول المكان إلى ساحة للعنف وسقوط الضحايا، وأصبح المسجد والمناطق المحيطة به شاهدين على ساعات عصيبة عاشها المشاركون والأهالي وسكان المنطقة.

 

وبحسب ما ورد في بيان مركز الشهاب، خرج الضحايا وهم يعبّرون عن آمالهم ومواقفهم، إلا أن الرصاص وضع نهاية لحياتهم، تاركًا جراحًا عميقة لدى أسرهم. ولم تقتصر آثار الواقعة على من فقدوا حياتهم، بل امتدت إلى ذويهم الذين وجدوا أنفسهم أمام فقد مفاجئ، وأسئلة صعبة بشأن كيفية وقوع الأحداث، والجهات المسؤولة عنها، ومدى جدية إجراءات التحقيق والمحاسبة.

 

ومع مرور السنوات، لا تزال ذكرى القائد إبراهيم حاضرة باعتبارها واحدة من الوقائع التي ارتبطت بمرحلة اتسمت بالاستقطاب السياسي واتساع دائرة العنف. كما تحولت المنطقة، في ذاكرة كثيرين، من مكان للعبادة والتجمع العام إلى رمز للألم والفقد وغياب العدالة.

 

ويؤكد حقوقيون أن التعامل مع مثل هذه الأحداث لا يجب أن يقتصر على بيانات التعزية أو إحياء الذكرى السنوية، بل ينبغي أن يشمل تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، يجمع الأدلة ويستمع إلى الشهود ويحدد المسؤوليات، دون تمييز سياسي أو انتقائية في حماية حقوق الضحايا.

 

اثنا عشر اسمًا في ذاكرة المأساة

 

استحضر مركز الشهاب لحقوق الإنسان أسماء اثني عشر من ضحايا الأحداث، في محاولة للحفاظ على حضورهم الإنساني وعدم اختزالهم في أرقام أو إحصاءات. وفي مقدمة الأسماء التي وثقها المركز يوسف عبد القادر خفاجي، الذي كان يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا فقط، ليمثل سقوطه جانبًا بالغ القسوة من المأساة، إذ فقد حياته في سن مبكرة كان يفترض أن تكون بداية لطموحاته ومستقبله.

 

كما شملت القائمة أبو بكر ياقوت، ومحسن أبو عاصم، ومحمد عبد العاطي مبروك، وسيد رجب محمد السيد، وسعيد فوزي محمد إبراهيم، ومحمد حسن الإبراشي، ومؤمن أحمد جابر، ومحمد إبراهيم حسن، وعبد الرحمن حسن عبد الرحمن، وإيهاب جعفر أحمد، وعمرو فرج.

 

ولا تمثل هذه الأسماء مجرد بيانات مكتوبة في سجل حقوقي، بل هي لأشخاص كانت لهم أسر وأصدقاء وأحلام وحياة يومية توقفت بصورة مفاجئة. ولكل ضحية قصة خاصة، وبيت غاب عنه أحد أبنائه، وعائلة ما زالت تحمل أثر الفقد، وتنتظر إجابات واضحة بشأن ملابسات مقتله.

 

ويرى مركز الشهاب أن ذكر أسماء الضحايا بصورة علنية يعد شكلًا من أشكال الوفاء لهم، ومواجهة لمحاولات النسيان أو التعتيم على الانتهاكات. فالذاكرة، من منظور حقوقي، ليست مسألة عاطفية فقط، وإنما وسيلة لحماية المجتمع من تكرار الأخطاء، وترسيخ مبدأ أن حياة الإنسان لا يمكن أن تتحول إلى رقم عابر في صراع سياسي.

 

كما أن توثيق الأسماء يمنح الأسر شعورًا بأن أبناءها لم يُنسوا، وأن هناك جهات ما زالت تتمسك بحقهم في الحقيقة والإنصاف، رغم مرور ثلاثة عشر عامًا على الأحداث.

 

العدالة شرط لمنع تكرار الانتهاكات

 

أكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن المطالبة بالعدالة في قضية ضحايا القائد إبراهيم لا ترتبط فقط بالماضي، بل بمستقبل المجتمع وقدرته على منع تكرار العنف والانتهاكات. فغياب التحقيقات الجادة والمحاسبة الواضحة يفتح الباب أمام ترسيخ الإفلات من العقاب، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن الانتهاكات قد تمر بلا مساءلة.

 

ويشدد المركز على أن الحق في الحياة من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف، وأن مسؤولية الدولة ومؤسساتها تتمثل في حماية المواطنين، والتحقيق في حالات القتل، وتقديم المتورطين إلى العدالة وفق إجراءات قانونية عادلة ومستقلة.

 

وتشمل مطالب العدالة، وفق المبادئ الحقوقية، الكشف الكامل عن حقيقة ما جرى، وتحديد طبيعة القوات أو الجهات التي استخدمت السلاح، ومعرفة تسلسل القرارات الميدانية، والاستماع إلى شهادات الناجين وأسر الضحايا، إضافة إلى إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام.

 

ولا تقتصر العدالة على العقوبة الجنائية فقط، بل تمتد إلى الاعتراف بحقوق الضحايا، وجبر الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بأسرهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات من خلال إصلاحات قانونية ومؤسسية تضع قواعد واضحة لاستخدام القوة وتحاسب من يتجاوزها.

 

وتظل ذكرى مذبحة ضحايا القائد إبراهيم مناسبة لتجديد المطالبة بالحقيقة، وحماية الذاكرة من النسيان، والتأكيد على أن السنوات لا تمحو حقوق القتلى ولا تنهي حق أسرهم في الإنصاف. فالأسماء التي سقطت في ذلك اليوم ستبقى حاضرة في وجدان ذويها وكل من يتمسك بقيم الكرامة الإنسانية والعدالة، إلى أن تتضح الحقيقة وتتحقق المساءلة التي طال انتظارها.