رفعت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية أسعار 14 قطعة أرض تجارية بنسبة 15% في المرحلة الأولى، ليتجاوز سعر المتر 30 ألف جنيه، وسط انتقادات بتحويل الأرض العامة إلى أداة لتعظيم العوائد وإقصاء المستثمرين الأصغر.

 

وتكشف الزيادة الثانية خلال عامين اتجاها يحمّل المطورين والمشترين كلفة تضخم مشروع ضخم أنفقت عليه الدولة مليارات الدولارات، بينما تواجه قطاعات واسعة أزمة سكن ودخولا متآكلة وخدمات أساسية تعاني نقص التمويل.

 

وبحسب مسؤول حكومي، أقرت لجنة التسعير تطبيق الزيادة على قطع تجارية تقع ضمن المتخللات المتبقية من المرحلة الأولى، بمساحات تبدأ من 3 آلاف وتصل إلى 5 آلاف متر مربع للقطعة الواحدة.

 

وفي المقابل، ستتجاوز الأسعار الجديدة 30 ألف جنيه للمتر، بما يقارب 600 دولار، مع اختلاف القيمة النهائية وفقا للموقع ودرجة التميز، وهو مستوى يرفع تكلفة الأرض وحدها إلى عشرات الملايين.

 

ومن ناحية أخرى، بررت الشركة القرار بارتفاع تكاليف الترفيق وتغير أسعار المناطق المجاورة، لكنها لم تنشر تفصيلا مستقلا يوضح تكلفة المرافق الفعلية أو منهج المقارنة الذي استندت إليه لجنة التسعير.

 

وفوق ذلك، تأتي الزيادة بعد رفع سابق تراوح بين 10% و15% خلال مايو 2025، ضمن طرح شمل 16 قطعة في منطقة الحي السكني الثامن، وجذب أكثر من 33 مطورا عقاريا.

 

وفي هذا السياق، يعني تكرار الزيادة خلال فترة قصيرة أن الشركة تستخدم قوة الطلب وندرة الأراضي المتبقية لدفع الأسعار صعودا، بدلا من توسيع المعروض بشروط تحقق منافسة أوسع وتخفض كلفة التطوير.

وعلى خلاف خطاب جذب الاستثمار، قد تؤدي الأسعار المرتفعة إلى حصر الطروحات في الشركات الكبرى القادرة على تدبير السيولة، بينما تتراجع فرص المطورين المتوسطين والصغار في دخول السوق أو المنافسة داخله.

 

ولهذا، لا تتوقف آثار القرار عند ثمن الأرض، لأن المطور يضيف تكلفة التمويل والمرافق والبناء والتسويق وهوامش المخاطر، ثم ينقلها كاملة إلى أسعار المحال والمكاتب والوحدات المبيعة للمستهلك النهائي لاحقا.

 

أسعار تدفع السوق للأعلى

 

يرى فتح الله فوزي، رئيس لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن ارتفاع تكلفة مواد البناء ضغط بقوة على المطورين، ووصل في فترات سابقة إلى مستويات استدعت تمديد آجال السداد والتنفيذ.

 

وبناء على ذلك، فإن إضافة 15% إلى سعر الأرض تزيد الضغوط القائمة، خصوصا أن الشركات تواجه بالفعل ارتفاع الحديد والأسمنت والطاقة والفائدة والأجور، ما يدفعها إلى إعادة تسعير مشروعاتها أو إبطاء التنفيذ.

 

كما حذر فوزي من أن استمرار زيادة تكاليف التنفيذ قد يرفع أسعار العقارات بين 15% و20%، وهو ما يجعل الزيادة الجديدة عاملا إضافيا في موجة غلاء جديدة لا يتحملها المشترون.

 

ومن ثم، تبدو حجة مواكبة السوق دائرية، لأن الشركة ترفع سعر الأرض استنادا إلى صعود المناطق المحيطة، ثم تصبح الزيادة نفسها سببا لارتفاع جديد في أسعار المشروعات المجاورة والوحدات المستقبلية.

 

علاوة على ذلك، لا تطرح الشركة أرضا خاما فقط، بل تبيع حق الدخول إلى مدينة أنشئت بقرارات وتمويل وبنية أساسية عامة، ما يفرض تساؤلات حول عدالة توزيع مكاسب ارتفاع القيمة.

 

ومع ذلك، تظل تفاصيل معادلة التسعير غائبة عن الجمهور، فلا توجد بيانات منشورة تقارن كلفة الترفيق بسعر البيع أو تحدد نسبة العائد المستهدفة، رغم أن القرار يؤثر في سوق كامل.

 

وفي الوقت نفسه، قال خالد عباس، رئيس شركة العاصمة الإدارية، إن أصول الشركة بلغت نحو 360 مليار جنيه، وإن مبيعات الأراضي الاستثمارية حققت عشرات المليارات، ما يكشف امتلاكها قاعدة مالية ضخمة.

 

لذلك، يثير رفع الأسعار رغم تضخم الأصول والأرباح سؤالا بشأن ما إذا كان الهدف تغطية التكلفة فعلا، أم تعظيم حصيلة بيع الأرض بأعلى سعر ممكن قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية.

 

أرض عامة بعائد احتكاري

 

يقدر خالد عباس أن الشركة باعت قرابة 20 ألف فدان من أصل 24 ألف فدان قابلة للبيع في المرحلة الأولى، ولم يتبق لديها سوى مساحة محدودة للغاية مقارنة بحجم المشروع.

 

وبالمثل، يجعل تقلص المخزون المتاح كل طرح جديد أكثر ندرة، ويمنح الشركة قدرة شبه احتكارية على التسعير، خصوصا أن المستثمر لا يملك بديلا مماثلا داخل المركز الحكومي والإداري الجديد نفسه.

 

وبالرغم من ذلك، لا ينبغي أن تتحول ندرة الأرض المصنوعة إداريا إلى ذريعة لرفع الأسعار بلا سقف، لأن الدولة تملك مساحات شاسعة ويمكنها تنظيم الطرح بما يمنع المضاربة والتخزين المتعمد.

 

في المقابل، يرى أحمد أنيس، أستاذ الهندسة المدنية وخبير التقييم العقاري، أن اتساع المعروض من الأراضي يمثل أداة أساسية لتهدئة الأسعار ومنع الارتفاعات المتتابعة والمبالغ فيها داخل المدن الجديدة عموما.

 

وعليه، فإن طرح 14 قطعة فقط بمساحات محدودة لا يخلق منافسة حقيقية، بل قد يزيد التزاحم بين المطورين ويرفع استعدادهم لقبول السعر، خصوصا بعد الإقبال الكبير على الطرح السابق مباشرة.

 

كلفة تنتقل إلى المشترين

 

وبالتالي، تتحول الزيادة من قرار مالي داخل شركة إلى موجة تمتد إلى السوق، لأن سعر الأرض يمثل أحد أكبر عناصر التكلفة، وكل ارتفاع فيه ينعكس مباشرة على المتر المبني والإيجارات.

 

أما مساحة العاصمة البالغة 170 ألف فدان وتكلفة مرحلتها الأولى المقدرة بنحو 45 مليار دولار، فتبرزان ضخامة المشروع مقارنة بعدد السكان الحالي الذي يدور حاليا حول 30 ألف نسمة فقط.

 

وفي ضوء ذلك، تكشف المفارقة بين الإنفاق الهائل والإشغال المحدود أن الأولوية كانت لبناء مركز سلطوي فاخر قبل ضمان جدوى اجتماعية واسعة، بينما بقي الوصول إليه محكوما بأسعار لا تناسب الأغلبية.

 

وأخيرا، يختصر رفع 14 قطعة بنسبة 15% مسار العاصمة الجديدة، حيث تتحول الأرض إلى مورد سريع لتمويل مشروع مرتفع الكلفة، ثم تنتقل الفاتورة إلى المستثمر والمشتري دون شفافية عامة كافية.