كشفت هيئة الدواء المصرية في القاهرة عن معادلة جديدة تزن الدولار بنسبة 60% والتضخم 30% والفائدة 10%، وتفتح مراجعة الأسعار عند تغير 10%، بما ينذر بموجات غلاء دوائي متتابعة بصورة مباشرة.

 

ويأتي التحرك بينما تعاني أسر مصرية من تآكل الدخول وارتفاع نفقات العلاج، لتصبح صحة المرضى رهينة مؤشرات مالية صنعتها سياسات التعويم والاقتراض، من دون ضمانات معلنة تحمي الفقراء وأصحاب الأمراض المزمنة.

 

وبحسب مسؤول في الهيئة، سيجري إصدار القواعد الجديدة خلال الشهر المقبل بعد حوار مع نقابات الصيادلة وغرفة صناعة الدواء وشركات التوزيع، تمهيدا لاستبدال آلية القرار الوزاري بمؤشر اقتصادي موحد على مستوى الجمهورية.

 

وفي المقابل، كان القرار رقم 499 لسنة 2012 يسمح بمراجعة التسعير عند تغير العملة الأجنبية بنسبة 15% خلال عام، أو بطلبات شركات لا تتجاوز 5% من مستحضراتها المسجلة سنويا على مدار العام.

 

معادلة تلاحق الجنيه

 

أولا، يمنح المؤشر الجديد سعر صرف الدولار الوزن الأكبر بنسبة 60%، باعتباره المحدد الأوسع لتكلفة الخامات المستوردة، بينما يحصل التضخم على 30% وأسعار الفائدة على 10% من إجمالي المعادلة بصورة مباشرة.

 

ثانيا، يفتح بلوغ التغير المرجح مستوى 10% الباب أمام الشركات لتقديم طلبات إعادة التسعير، صعودا أو هبوطا، لكن النصوص المعلنة لا تفرض تخفيضا تلقائيا عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية أمام لجنة التسعير.

 

ثالثا، تحتفظ لجنة التسعير الدوائي بسلطة دراسة الطلبات وتحديد المستحضرات المستحقة ونسب الزيادة، ما يعني أن المعادلة لا تنتج سعرا آليا، لكنها توسع مبررات الشركات لطلب التحريك بصورة منفردة ومتكررة.

 

وبالتالي، قد تتحول تقلبات الصرف والتضخم والفائدة إلى بوابة شبه دائمة لمراجعة الأسعار، خصوصا في اقتصاد يعاني اضطراب العملة وارتفاع تكلفة التمويل، بينما لا ترتبط أجور المواطنين بالمؤشرات نفسها بصورة متكررة.

 

كما أن الخبير الدوائي محمد عز العرب ربط استمرار أزمة الأسعار بتغير سعر الصرف، محذرا من أن اضطراب العملة يبقي سوق الدواء تحت ضغط متواصل ويهدد استقرار التكلفة والتوافر داخل مصر.

 

ولذلك، لا تكمن المشكلة في الاعتراف بارتفاع مدخلات الإنتاج وحده، بل في نقل فاتورة السياسات النقدية كاملة إلى المريض، من دون إنشاء صندوق دعم واضح للأدوية الأساسية والأمراض المزمنة بصورة منفردة.

 

ومن ثم، يصبح تحريك الأسعار أسرع من تحسن الدخول، لأن المؤشر سيستجيب للدولار والتضخم والفائدة، بينما تحتاج الأجور والمعاشات إلى قرارات منفصلة تتأخر غالبا عن موجات الغلاء المتلاحقة داخل البلاد.

 

غير أن الهيئة تؤكد أن تجاوز 10% لا يعني زيادة فورية، وإنما يسمح بتقديم الطلب، وهو فارق إجرائي مهم لا يبدد مخاوف المرضى ما دامت معايير الموافقة التفصيلية غير منشورة.

 

هوامش على حساب المريض

 

علاوة على ذلك، يتضمن الاتفاق إلغاء الجنيه الإضافي المقرر لكل عبوة، مقابل رفع خصم الصيدلي على الأدوية المحلية الأساسية من 20% إلى 23%، وغير الأساسية من 25% إلى 27% بصورة مباشرة.

 

إلى جانب ذلك، يعاد تنظيم الخصم على الأدوية المستوردة ليتراوح بين 15% و20%، بينما تستثنى أدوية الأورام والمستحضرات مرتفعة الثمن من النسب العامة وتخضع لهوامش ربح مقطوعة وفق طبيعة المستحضر.

 

أما العبوات التي تتجاوز قيمتها 100 ألف جنيه، فيحدد هامش ربحها عند 4 آلاف جنيه، مقابل 3 آلاف للعبوات بين 50 و100 ألف، وألفين للعبوات بين 20 و50 ألفا على الترتيب.

 

وفي حين، يبلغ الهامش ألف جنيه للعبوات التي يتراوح سعرها بين 10 و20 ألف جنيه، فإن هذه الأرقام تكشف حجم السوق الباهظة التي يواجهها مرضى يحتاجون علاجات لا تحتمل التأجيل.

 

كذلك، طالب ممثلو الصيادلة بخصم نقدي موحد بنسبة 3.5% على إجمالي الطلبيات، بما فيها المستوردة، ووافقت رئاسة الهيئة على دراسة المقترح مع شركات التوزيع قبل إقراره بصورة نهائية داخل السوق.

 

ويرى محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أن التسعير يجب أن يوازن بين تكلفة الإنتاج واستمرار توافر المستحضرات، لأن تثبيت الأسعار مع ارتفاع المدخلات يؤدي إلى اختفاء أصناف.

 

ومع ذلك، فإن حماية الصناعة والصيدليات لا يجوز أن تتحقق عبر تحميل المريض وحده التكلفة، خصوصا أن الدواء سلعة إجبارية لا يملك المستهلك تأجيلها أو البحث دائما عن بديل مناسب.

 

وبناء على ذلك، تحتاج إعادة هيكلة الأرباح إلى إعلان أثرها النهائي على سعر البيع، حتى لا تتحول زيادة خصم الصيدلي إلى مبرر إضافي لتحريك الأسعار على حساب المرضى والخزانة العامة.

 

التسعير ينتقل للشاشة

 

فضلا عن ذلك، تستعد الهيئة لاستكمال منظومة التتبع الدوائي وإلغاء طباعة السعر مباشرة على العبوات، واستبداله برمز استجابة سريع يعرض السعر الرسمي المحدث مركزيا للمستهلك والصيدلي عند الفحص في جميع المحافظات.

 

وعلى الرغم من أن المنظومة قد تحد من تعدد أسعار العبوة ومكافحة التلاعب، فإنها تثير مخاوف لدى كبار السن والفقراء ومن لا يملكون هواتف ذكية أو اتصالا مستقرا بالإنترنت بصورة يومية.

 

في الوقت نفسه، قال علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، إن 90% من مدخلات الصناعة مستوردة بالدولار، وهو ما يجعل السوق شديد الحساسية لتحركات العملة وتكاليف الشحن بصورة مباشرة.

 

وعليه، فإن ربط السعر إلكترونيا بقاعدة مركزية قد يسهل تحديثه بسرعة، لكنه قد يحول الصيدليات إلى نقاط تنفيذ لزيادات متكررة لا يلاحظها المريض إلا لحظة الشراء بصورة شبه فورية ومباشرة.

 

وفوق ذلك، لا توضح المقترحات المنشورة كيف سيعرف المستهلك السعر عند تعطل المنظومة، أو كيف سيعترض على مخالفة، أو ما العقوبة إذا عرضت الصيدلية سعرا مختلفا عن السعر المركزي بصورة واضحة.

 

بالتوازي، يفترض نجاح التتبع نشر سجل زمني للأسعار يوضح تاريخ كل تعديل وأسبابه ونسبته، حتى يتمكن المرضى والرقابة والمجتمع من التحقق من القرارات ومنع الزيادات العشوائية بصورة علنية منتظمة ومستمرة.

 

وبالمحصلة، تضع الهيئة سوق الدواء أمام تحول واسع يجمع التسعير المرن وهوامش الربح والرقمنة، بينما يبقى الغائب الأكبر هو سقف واضح يحمي المواطن من دفع ثمن كل اضطراب اقتصادي بصورة مباشرة.

 

وأخيرا، لا يمكن اعتبار الدواء سلعة عادية تخضع لمعادلة الدولار وحدها، لأن أي زيادة تعني علاجا ناقصا أو جرعة مؤجلة، وتكشف كيف تتحول أخطاء الإدارة الاقتصادية إلى تهديد مباشر للحياة.