طرح البنك المركزي المصري، نيابة عن وزارة المالية، أذون خزانة بقيمة 110 مليارات جنيه في القاهرة، موزعة على أجلين قصيرين، لتوفير سيولة عاجلة للموازنة، وسط تصاعد كلفة الاقتراض وتضخم عبء خدمة الدين.

 

وتأتي الخطوة في سياق اقتصادي يحمّل المواطنين فاتورة عجز مزمن لم تعالجه السلطة بإصلاحات إنتاجية، بينما تبتلع الفوائد الموارد العامة، وتتراجع مخصصات الصحة والتعليم، ويزداد اعتماد الدولة على الاقتراض لتغطية التزامات سابقة.

 

سيولة بثمن باهظ

 

بداية، توزعت قيمة الطرح بين 40 مليار جنيه لأجل 91 يوماً و70 مليار جنيه لأجل 273 يوماً، بما يعكس استمرار تفضيل الحكومة للأدوات القصيرة التي توفر تمويلاً سريعاً لكنها تفرض استحقاقات متقاربة ومتكررة.

 

وفي المقابل، تمنح أذون الخزانة الدولة قدرة فورية على سداد مصروفات عاجلة وتمويل فجوات الموازنة، غير أن هذه السيولة لا تمثل بالضرورة مورداً جديداً إذا ذهبت لإطفاء إصدارات سابقة أو تغطية عجز قائم.

 

كما أن قصر الأجل يضع وزارة المالية أمام دوامة إعادة إصدار مستمرة، لأن سداد الأصل والعائد يتطلبان طرح أدوات جديدة، ما يحول إدارة السيولة من إجراء مؤقت إلى نمط دائم لإعادة تدوير الدين.

 

وبالتالي، فإن خطورة الطرح لا تكمن في قيمة 110 مليارات جنيه وحدها، بل في موقعها داخل هيكل تمويلي متضخم يعتمد على أدوات تستحق سريعاً، ويجبر الدولة على العودة المتكررة إلى السوق.

 

ومن جهته، حذر الخبير الاقتصادي والمصرفي هاني توفيق من إدمان أذون الخزانة قصيرة الأجل لسد العجز، مؤكداً أن الاستخدام المتكرر لهذه الأدوات ساهم في تراكم الدين المحلي والخارجي وتضخم التزامات السداد.

 

غير أن التحذير يكتسب وزناً أكبر حين تكشف البيانات أن رصيد أذون الخزانة بلغ نحو 5.82 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بما يعادل أكثر من نصف الدين العام المحلي المتداول.

 

وعلاوة على ذلك، يعني هذا الحجم أن أي ارتفاع في العوائد ينعكس سريعاً على الموازنة، لأن جزءاً كبيراً من الدين يحتاج إلى إعادة تسعير متكرر، فتنتقل آثار الفائدة المرتفعة مباشرة إلى تكلفة خدمة الدين.

 

ولهذا، تبدو الحكومة وكأنها تشتري وقتاً قصيراً بأموال شديدة الكلفة، من دون أن تقدم مساراً مقنعاً لخفض العجز الهيكلي أو زيادة الإيرادات الإنتاجية المستدامة بعيداً عن الضرائب والرسوم وبيع الأصول.

 

فوائد تلتهم الموازنة

 

في السياق نفسه، تواصل فوائد الدين الاستحواذ على جانب متزايد من المصروفات العامة، بما يقلص قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى المستشفيات والمدارس والنقل والإسكان والحماية الاجتماعية، رغم اتساع الاحتياجات اليومية للمواطنين.

 

ومن ثم، لا تبقى أذون الخزانة مسألة فنية داخل غرف البنوك، بل تتحول إلى قضية معيشية تمس جودة الخدمات، لأن كل زيادة في الفوائد تعني مساحة أضيق للإنفاق التنموي والاجتماعي.

 

كذلك، يرى الخبير المصرفي عز الدين حسنين أن فاتورة فوائد الدين العام المحلي تقترب من 2.5 تريليون جنيه سنوياً، وهو مستوى يكشف حجم الضغوط التي تفرضها سياسة الاقتراض على الموازنة.

 

وبناءً على ذلك، يصبح السؤال عن جدوى الاستدانة أكثر إلحاحاً، فالحكومة لا تعلن بوضوح أي نسبة من الإصدارات تمول استثمارات منتجة، وأي نسبة تستخدم لسداد ديون قديمة أو تغطية مصروفات جارية.

 

وفي الوقت ذاته، يؤدي استمرار الفائدة الأساسية عند مستويات مرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي، خصوصاً أن الأذون القصيرة تعاد بصورة متكررة، فتتحمل الخزانة العامة عوائد مرتفعة في كل دورة إصدار جديدة.

 

وفضلاً عن ذلك، قد يتحول ارتفاع الفوائد إلى عبء ممتد على الأجيال المقبلة، لأن الدولة لا تسدد الدين من فوائض حقيقية، بل كثيراً ما تعيد تمويله، فتتراكم الالتزامات ويضيق هامش السياسة المالية.

 

ومن ناحية أخرى، يلفت الكاتب الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي إلى أن تضخم رصيد أذون الخزانة جعلها مكوناً رئيسياً في هيكل الدين المحلي، بما يكشف اعتماداً مفرطاً على تمويل قصير الأجل.

 

وعليه، فإن خفض العجز لا يتحقق بمجرد زيادة الطروحات، لأن التمويل يعالج نقص السيولة ولا يعالج أسباب الأزمة، مثل ضعف الإنتاج، وتباطؤ الاستثمار، وضيق القاعدة الضريبية العادلة، واتساع الإنفاق غير المنتج.

 

القطاع الخاص خارج المنافسة

 

على الجانب الآخر، تمنح العوائد المرتفعة على أذون الخزانة البنوك والمؤسسات المالية استثماراً آمناً ومربحاً، مقارنة بإقراض المصانع والشركات التي تواجه مخاطر السوق وتباطؤ الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والتمويل.

 

ومع ذلك، يؤدي هذا الوضع إلى مزاحمة القطاع الخاص على السيولة المتاحة، إذ تفضل البنوك تمويل الحكومة بضمانات قوية، بينما تقل شهية الإقراض للمشروعات المنتجة، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة الأكثر احتياجاً للتمويل.

 

وإضافة إلى ذلك، يضعف انكماش التمويل الموجه للإنتاج قدرة الشركات على التوسع وشراء المعدات وتعيين العمال، فتتحول سياسة سد العجز إلى عامل يحد من الاستثمار الحقيقي وخلق فرص العمل المستدامة.

 

وبالمثل، قد تحقق البنوك أرباحاً مرتفعة من أدوات الدين من دون تحمل مخاطر تمويل النشاط الاقتصادي، وهو ما يعمق اختلال توجيه المدخرات بعيداً عن الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير.

 

لهذا السبب، لا يمكن فصل أزمة الدين عن نموذج اقتصادي يمنح الأولوية للتمويل السريع، بينما تتراجع مساهمة القطاعات المنتجة، ويصبح النمو مرهوناً بمشروعات لا تولد دائماً عائداً نقدياً يكفي لسداد التزاماتها.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو دائرة الاقتراض لسداد الاقتراض أكثر وضوحاً، فالدولة تصدر أذوناً جديدة لتغطية عجز وخدمة ديون سابقة، ثم تواجه بعد أشهر استحقاقات أكبر تحتاج إلى طروحات إضافية أخرى.

 

وبالمحصلة، لا تنقذ أذون الخزانة الاقتصاد إلا إذا استخدمت ضمن خطة مؤقتة مرتبطة بخفض العجز وزيادة الإنتاج والصادرات، أما تحويلها إلى مورد دائم فيعني تأجيل الأزمة ورفع تكلفتها على المدى البعيد.

 

وأخيراً، يظل المواطن هو الطرف الغائب عن غرف الاقتراض لكنه الحاضر في الفاتورة، إذ يدفع الثمن عبر ضرائب أعلى وخدمات أضعف وأسعار متصاعدة، بينما تواصل الحكومة تدوير الدين بلا إصلاح جذري معلن.