تظهر الشواهد والوثائق التاريحية أن الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر تعاون مع "الإخوان المسلمين" في حقبة الأربعينيات، وضم ضباطاً إخوانًا إلى تنظيم "الضباط الأحرار"، مثل عبد المنعم عبد الرؤوف، الذي كان بمثابة همزة الوصل بين الجماعة والتنظيم.

 

وكان عبدالناصر صديقًا للواء صلاح شادي رئيس قسم الوحدات بالجماعة، وقبل التحرك بأيام، اجتمع معه لإخطاره بقرب ساعة الصفر وبحث ترتيبات الدعم والتأمين.

 

واستخدم عبدالناصر شعبية الإخوان وقوتهم التنظيمية لحماية انقلاب 23 يوليو وتأمين المنشآت الحيوية في الأيام الأولى لضمان عدم تحرك القوى الموالية للملك.

 

انقلاب عبدالناصر على الإخوان


وبعد فترة قصيرة من التحالف الوثيق والتنسيق المشترك قبل وبعد انقلاب 23 يوليو 1952، سرعان ما انقلب عبدالناصر على "الإخوان" وتصاعد الخلاف بينهما، وزج بالآلاف من أعضاء الجماعة إلى السجون، وأعدم العديد منهم.

 

وعمل عبدالناصر على محاولة إقناع بعض القيادات بالإطاحة بالمرشد العام آنذاك حسن الهضيبي، مروجَا لفكرة أنه "مستعد للتعاون مع الإخوان بشرط التخلص من الهضيبي"، مما خلق انقسامًا داخليًا حادًا بين جبهة المرشد والجبهة المعارضة له. 

 

ورفض عبدالناصر طلب الإخوان صياغة القوانين الجديدة (مثل الإصلاح الزراعي) بناءً على مرجعية إسلامية تقرها الجماعة، واعتبر ذلك محاولة لفرض "وصاية دينية" على مجلس قيادة الثورة وجعل المرشد الحاكم الفعلي لمصر، وهو ما تعارض مع طموحه في بناء دولة قومية علمانية سلطوية.

 

كيف تحول عبدالناصر من صديق حميم إلى عدو لدود؟

 

وفي برنامج "شاهد على العصر" الذي يذاع على قناة "الجزيرة"، تحدث فريد عبدالخالق، مرافق الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وعضو الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد الأسبق عن الصراع بين عبدالناصر والإخوان، وكيف تحول من صديق حميم إلى عدو لدود.

 

وقال إن عبد الناصر أفصح للإخوان عما يريد في 29 ديسمبر 1952، "قال لهم أريد أن يقوم الشعب بزر وينام بزر ونجح بعد عامين أن يفعل ذلك".

 

وأشار عبدالخالق إلى أنه في التحقيقات عندما قبض عليه، سأله ضباط التحقيق عن هذا الأمر وكيف وصلت الأمور بين الإخوان وبين جمال عبدالناصر إلى هذا الوضع.

 

وقال إن عبدالناصر كان يخفي ما فى نفسه فيتعامل بظاهر غير الباطن، وكان يصر على أن يحيا كحاكم مستبد وحكم شمولي، بالإضافة إلى أن الأزمات الداخلية للإخوان والخلافات والانقسامات بالداخل، كان له أبلغ الأثر في تعميق الشرخ بين الإخوان وعبد الناصر.

 

زيارة قبر حسن البنا


وفي 12 فبراير 1953 ذكرى مرور أربع سنوات على اغتيال الإمام حسن البنا قام مجلس قيادة الثورة بقيادة الرئيس محمد نجيب بزيارة قبر حسن البنا ورافقه بعض الوزراء وكان في استقباله هناك المرشد العام وجمع غفير من الإخوان ونُشرت الصورة لمحمد نجيب وهو يبكي أمام قبر حسن البنا.

 

واعتبر عبد الخالق أن زيارة محمد نجيب إلى قبر حسن البنا، في الذكرى الرابعة لوفاته، وبعدها زيارة جمال عبدالناصر للقبر، كانت زيارة سياسية لكسب الإخوان، وكان وراءها صراع مقنع بين الرجلين.

 

محاولات عبدالناصر لاستقطاب الإخوان


وتحدث عبد الخالق عن محاولات عبدالناصر لاستقطاب الإخوان خاصة في وجود انقسامات بينهم حول تأييده أو الاعتراض عليه.

 

وكشف أن الانشقاق في الإخوان كان عبارة عن المحاولة الأولى لمواجهة الثورة للإخوان، وكان المطلوب حدوث فتنة داخلية تطيح بالمرشد، لأن عبدالناصر كان يقول لكثير من الإخوان، أنا من الإخوان ولكني لا أستطيع أن أتفاهم مع الهضيبي بالذات فاخلعوه.

 

وحمّل عبدالخالق قيادة الإخوان المسلمين جزءًا من المسؤولية بسبب ما وصفه بـ "الغفلة السياسية" وعدم تقدير موازين القوى. 

 

وأكد في الوقت ذاته أن قيادة الجماعة الرسمية (مكتب الإرشاد) لم تكن على علم بـ "حادثة المنشية" عام 1954 أو بخطط التنظيم الخاص لاغتيال عبدالناصر، معتبرًا أن تلك التحركات غير المحسوبة منحته  المبرر الكامل والغطاء السياسي لتصفية الجماعة واعتقال الآلاف.