أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية في واشنطن توقيع اتفاق نووي مدني يمتد نحو 30 عاما مع السعودية يسمح ببناء مفاعلات أمريكية ويفتح طريق تخصيب اليورانيوم محليا بما ينقل الملف إلى مراجعة الكونغرس ويغير قواعد التوازن الإقليمي.

 

وتكشف الموافقة ازدواجية سياسية حادة إذ تحاصر واشنطن خصومها بسبب التخصيب ثم تمنح حليفا سلطويا التقنية نفسها بينما يتحمل سكان المنطقة مخاطر سباق نووي جديد لا يملكون رأيا في قراراته أو ضمانات تحمي مستقبلهم.

 

تحول في قواعد الانتشار

 

بداية يمثل الاتفاق تحولا عن النهج الأمريكي الذي كان يربط تصدير التكنولوجيا النووية بقيود مشددة على التخصيب وإعادة معالجة الوقود لأن العمليتين تمنحان الدولة معرفة وبنية يمكن تطويرهما لاحقا لأغراض تتجاوز إنتاج الكهرباء.

 

وبالتالي لا تعني الموافقة امتلاك السعودية سلاحا نوويا بصورة تلقائية لكنها تمنحها جزءا بالغ الحساسية من دورة الوقود وتقلص المسافة التقنية بين البرنامج المدني والقدرة الكامنة على إنتاج مواد قابلة للاستخدام العسكري.

 

كما أن الاتفاق لا يتضمن حتى الآن البروتوكول الإضافي الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلطات تفتيش أوسع للمواقع غير المعلنة وهو غياب يثير شكوكا حول مستوى الشفافية والقدرة على اكتشاف الأنشطة السرية مبكرا.

 

ومن جهة أخرى قدمت الإدارة الأمريكية ترتيبات رقابية ثنائية بوصفها ضمانة لمنع الانتشار غير أن استبدال الرقابة الدولية الموسعة بتفاهمات سياسية بين دولتين يجعل الضمانات أكثر ارتباطا بتقلب المصالح والتحالفات وحسابات السلطة.

 

علاوة على ذلك يختلف المسار السعودي عن النموذج الإماراتي الذي تنازل صراحة عن التخصيب وإعادة المعالجة مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية وهو ما كان يوصف بالمعيار الذهبي قبل أن تتراجع واشنطن عنه مع الرياض.

 

في المقابل تقول السعودية إن أهدافها ترتبط بتنويع مصادر الطاقة وتقليل حرق النفط والغاز في توليد الكهرباء وتوفير قدرة مستقرة للتحلية والتبريد بما يسمح بتوجيه كميات أكبر من الخام نحو التصدير والعائدات الخارجية.

 

غير أن الحاجة إلى الكهرباء لا تفسر وحدها الإصرار على التخصيب المحلي لأن دولا عديدة تشغل مفاعلاتها بوقود مستورد دون امتلاك هذه التقنية الحساسة وهو ما يمنح البعد السياسي والأمني وزنا يتجاوز التبرير الاقتصادي.

 

ولهذا تبدو الموافقة اعترافا أمريكيا بمكانة السعودية كقوة قادرة على فرض شروطها بعدما لوحت الرياض بإمكان التوجه نحو الصين أو روسيا إذا رفضت واشنطن نقل التكنولوجيا ودعم بناء برنامج نووي متكامل داخل المملكة.

 

سباق نووي محتمل

 

بناء على ذلك يتحول الملف النووي إلى أداة تفاوض سعودية لانتزاع ضمانات أمنية واستثمارات وتسليح متقدم وليس مجرد مشروع كهرباء بما يعزز قدرة القيادة السعودية على مقايضة موقعها الجغرافي وثروتها بعقود استراتيجية طويلة.

 

أولا يرفع الاتفاق سقف القلق الإيراني لأن طهران سترى السماح للسعودية بالتخصيب دليلا على أن واشنطن لا تعارض التقنية ذاتها بل تعارض امتلاك خصومها لها وهو ما يضعف حجج تقييد البرنامج الإيراني.

 

ومن ثم قد تستخدم إيران الصفقة لتبرير استمرار قدراتها النووية أو توسيعها مؤكدة أن قواعد منع الانتشار تطبق بصورة انتقائية وهو ما يعقد أي مفاوضات مستقبلية ويزيد احتمالات التصعيد العسكري والعقوبات والهجمات المتبادلة.

 

بالتوازي تراقب دول إقليمية أخرى التطور باعتباره سابقة يمكن الاستناد إليها للمطالبة بحقوق مماثلة لأن منح دولة عربية قدرة تخصيب محلية يجعل رفض الطلب نفسه من دول أخرى أكثر صعوبة سياسيا وقانونيا.

 

كذلك يضع الاتفاق إسرائيل أمام معضلة مزدوجة فهي تستفيد من بقاء السعودية داخل المظلة الأمريكية لكنها تخشى في الوقت ذاته ظهور بنية نووية متقدمة قربها قد تتحول مع تغير القيادات والتحالفات إلى مصدر تهديد.

 

وفوق ذلك جاء الاتفاق منفصلا عن شرط تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما يعني أن واشنطن قدمت للرياض مكسبا استراتيجيا كان مطروحا سابقا ضمن صفقة أوسع من دون الحصول المعلن على المقابل السياسي الذي سعت إليه.

 

في السياق نفسه يرسل القرار رسالة إلى العواصم العربية بأن بناء النفوذ وامتلاك أدوات الضغط يفتحان أبوابا كانت مغلقة بينما تبقى الدول الأضعف خاضعة للتهديد والعقوبات حتى عندما تطالب بالحقوق التقنية ذاتها.

 

نتيجة لذلك قد تنتقل المنافسة الإقليمية من شراء الأسلحة التقليدية إلى بناء قدرات نووية كامنة بحيث تتسابق الدول على المفاعلات والتخصيب والخبرات البشرية دون إعلان نية عسكرية مباشرة لكنها تحتفظ بخيارات مستقبلية خطرة.

 

أما إنسانيا فإن سباقا كهذا يستهلك عشرات المليارات من الدولارات في منطقة تعاني الحروب والبطالة ونقص المياه وتفاوت الخدمات بينما تظل المجتمعات بعيدة عن الرقابة والمساءلة بشأن السلامة والنفايات والمخاطر العابرة للحدود.

 

مصالح الطاقة والنفوذ

 

اقتصاديا يمنح الاتفاق الشركات الأمريكية مدخلا واسعا إلى سوق نووية بمليارات الدولارات ويتيح بيع المفاعلات والخدمات والوقود والتدريب لعقود طويلة بما يربط البنية السعودية بسلاسل توريد وخبرات أمريكية يصعب استبدالها سريعا.

 

وفي الوقت ذاته تسعى واشنطن إلى منع الصين وروسيا من السيطرة على المشروع لأن اختيار المورد النووي لا يحدد المعدات فقط بل يبني علاقات أمنية وتقنية ورقابية ممتدة قد تستمر طوال العمر التشغيلي للمفاعلات.

 

لهذا السبب تبدو اعتبارات السوق والنفوذ حاضرة بقوة خلف خطاب منع الانتشار إذ فضلت الإدارة إبقاء البرنامج تحت المظلة الأمريكية حتى مع تخفيف القيود بدلا من خسارة العقود وترك الرياض تتجه إلى منافسين دوليين.

 

فضلا عن ذلك يحرر استخدام الطاقة النووية مزيدا من النفط السعودي للتصدير ويحافظ على إيرادات المملكة في مرحلة التحول العالمي للطاقة بما يمنح الرياض وقتا أطول لتمويل خططها الاقتصادية ومشروعاتها الضخمة من العائدات النفطية.

 

مع ذلك يحتاج الاتفاق إلى مراجعة الكونغرس خلال 90 يوما من أيام انعقاده ويمكن للمشرعين الاعتراض عليه لكن تجاوزه لحق النقض الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين ما يجعل إيقافه سياسيا مهمة بالغة الصعوبة.

 

في غضون ذلك ستبقى التفاصيل الفنية حاسمة وخصوصا مستوى التخصيب وملكية المنشآت وآلية تشغيل أجهزة الطرد وحقوق التفتيش والتعامل مع الوقود المستهلك لأن العناوين السياسية وحدها لا تكشف حجم المخاطر الفعلية.

 

وأخيرا تكمن دلالة الصفقة في أن واشنطن أعادت تعريف قواعد الانتشار وفقا لمصالح الحلفاء لا وفقا لمبدأ ثابت وهو تحول يمنح السعودية نفوذا أكبر لكنه يضعف النظام الدولي الذي تزعم أمريكا الدفاع عنه.

 

وفي المحصلة لا يمثل الاتفاق انتصارا تقنيا سعوديا فقط بل بداية مرحلة تصبح فيها المعرفة النووية ورقة نفوذ إقليمي وتجاري وعسكري محتمل بينما تتراجع الضمانات الدولية أمام صفقات تعقدها الحكومات بعيدا عن رقابة الشعوب.