ترى الطبيبة النفسية سوزان بندر أن الندم جزء فطري من التجربة الإنسانية، وأن التعامل معه بتعاطف وفهم قد يفتح الطريق أمام النمو العاطفي وفهم الذات بصورة أعمق.

 

وتقول بندر، وهي طبيبة نفسية للأطفال والمراهقين والبالغين، إن الندم غالبًا ما يظهر في عبارات مثل «لو أنني فعلت فقط...» أو «كان ينبغي أن أعرف...» أو «كيف أمكنني أن أفعل ذلك؟»، مشيرة إلى أنه حالة عاطفية فريدة تجمع بين الشعور بالعار واللوم والحزن، إلى جانب قدر من التفكير التخيلي في الماضي.


وتوضح بندر أن العودة ذهنيًا إلى الماضي وتخيل سيناريو مختلف قد يمنح الإنسان إحساسًا مؤقتًا بإمكانية تغيير ما حدث، اعتمادًا على الحكمة التي اكتسبها من تجاربه اللاحقة.

 

وفي بعض الحالات، قد يشكل التعامل مع الندم بمشاركة الآخرين تمرينًا مفيدًا، كما يحدث في مسار التعافي الذي تتبناه جماعة «مدمني الكحول المجهولين»، والذي يتضمن تحمل المسؤولية وإصلاح ما يمكن إصلاحه من أخطاء الماضي، وهي عملية قد تتضمن قدرًا من الندم. وترى أن الشعور بالندم على السلوكيات الجسيمة قد يكون ضروريًا لدعم التغيير السلوكي.

 

لكن في حالات أخرى، قد يتحول الندم الخاص والمكثف والقائم على الاجترار إلى تجربة نفسية مؤلمة تعرقل النمو العاطفي. وتختلف هذه الحالة عن الحزن، الذي يسهل مشاركته مع الآخرين ويتيح للمستمع أن يشارك الشخص ألمه ويقدم له التعاطف. وإذا استطاع الإنسان مشاركة هذا النوع من الندم الثابت ومعالجته وفهمه، فقد يتحول إلى نقطة بداية لفهم نفسي أعمق وفرص جديدة في المستقبل.

 

 

الندم القائم على التمني قد يحجب المشكلات الحقيقية

 

تطلق بندر على أحد أشكال الندم اسم «الندم التمني»، ويحدث عندما يتمنى الشخص نتيجة لا تستند إلى واقع يمكن تحقيقه. وتضرب مثالًا بصحفي حصل على تقدير «D» في مادة الكيمياء خلال سنته الجامعية الأولى، ثم يقول: «لو أنني أصبحت طبيبًا فقط، لما كنت مضطرًا الآن إلى القلق بشأن المال!».


وترى أن هذا النوع من الندم يتجنب نقاشًا أعمق حول حياة الشخص واحتياجاته. فهل كان مهتمًا بالعلوم من الأساس؟ وهل كان والداه يتوقعان منه دراسة الطب؟ وكيف شعر وهو يختار شغفًا يمنحه استقرارًا أقل لكنه يحمل معنى شخصيًا أكبر؟ وماذا كان سيحدث لو ضحى بسنوات من حياته في مسار علمي مكثف لا يتناسب مع قدراته المعرفية؟


وتوضح أن «الندم التمني» قد يكون اختصارًا يغلق الباب أمام مناقشة أكثر تعقيدًا للمخاوف والهموم التي يعيشها الشخص في الوقت الحاضر.

 

 

الندم قد يبسط الماضي ويخفي احتياجات الحاضر

 

قد ينظر الندم أحيانًا إلى موقف سابق بصورة مبسطة، بينما يخفي وراءه احتياجات أكثر تعقيدًا يعيشها الشخص في الوقت الحالي.

 

وتضرب بندر مثالًا بمحللة تسويق في أواخر الثلاثينيات من عمرها ولديها طفلان صغيران، تقرأ مجلات السفر للترفيه وتشعر بندم عميق لأنها لم تسافر أكثر خلال العشرينيات من عمرها، عندما كانت تتمتع بحرية أكبر.

 

وتتخيل المرأة كيف كان يمكن أن ترى المضايق البحرية في النرويج أو تركب جملًا في المغرب، وتلوم نفسها لأنها لم تستغل الفرصة لاستكشاف العالم عندما كانت قادرة على ذلك.



لكن بندر ترى أن هذا الندم قد يخفي تجربتين أكثر تعقيدًا. ففي ظل ضبابية السنوات الأولى من تربية الأطفال، قد تكون الأم قد ابتعدت عن تفاصيل حياتها في العشرينيات، ونسيت أنها لم تكن تمتلك في ذلك الوقت المال أو الإجازات الطويلة التي تسمح لها بالسفر. كما قد تتجاهل أن استثمارها في العمل والمجتمع خلال سنوات شبابها قادها إلى شريك حياتها الحالي، وإلى وظيفة مثيرة للاهتمام وتحمل تحديات مختلفة.


وترى بندر أن الرغبة في السفر قد تعبر في الحقيقة عن رغبة الأم في امتلاك قدر أكبر من الاستقلالية. فقدان الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال صغار جزءًا كبيرًا من وقتهم الشخصي يجعل الاستقلالية التي كانت متاحة قبل الإنجاب بحاجة إلى قدر أكبر من التخطيط والاستعداد.


وقد يتراجع التركيز على السفر البعيد والمكلف إلى أماكن غريبة إذا أعطت الأم احتياجاتها الشخصية أولوية أكبر داخل الأسرة. فربما لا تستطيع السفر إلى تايلاند، لكنها قد ترتب مع جليسة أطفال لتخرج مع زوجها لتناول عشاء دون أطفال في مطعم تايلاندي جديد قريب من المنزل. وربما لا تستطيع الذهاب في رحلة للمشي لمسافات طويلة في جبال الألب، لكنها تستطيع البحث عن فرصة للتنزه مع إحدى صديقاتها بعيدًا عن الأطفال.


وتشير بندر إلى أن التعمق في فهم الندم قد يقود إلى فهم أكبر للماضي والاحتياجات العاطفية الحالية.

 

 

الندم العميق قد يكشف حقائق نفسية مدفونة

 

قد يسبب الندم الشديد على قرار محوري في الماضي معاناة نفسية كبيرة. وقد يسأل شخص تعرض للخيانة: «لقد خانتني عندما كنا نتواعد، واكتشفت الآن أنها أقامت علاقة غرامية استمرت عامًا كاملًا، فلماذا تزوجتها من الأساس؟».

 

وقد يسأل شخص آخر تجاهل أعراضًا جسدية مقلقة: «لماذا تجاهلت حقيقة أن وزني كان ينخفض وتجنبت الذهاب إلى الطبيب خلال الأشهر الماضية؟ أنا الآن أخضع لفحوصات لاستبعاد الإصابة بمرض خبيث».
 

وترى بندر أن هذه العبارات تحمل قدرًا هائلًا من الألم النفسي، وتطرح سؤالًا حول الطريق الذي يمكن المضي فيه بعد ذلك.
 

في البداية، قد يعمل الندم كوسيلة لاستعادة الشعور بالسيطرة على موقف فوضوي. فعندما يضطر الإنسان إلى مواجهة أخبار مؤلمة، قد تكون ردة فعله التلقائية هي العودة ذهنيًا إلى لحظة سابقة وتخيل نهاية بديلة. وقد يبدو تكرار سؤال «كيف أمكنني أن أفعل ذلك؟» أسهل من مواجهة المشاعر العميقة التي تتصاعد في الداخل، مثل الخوف والاضطراب والحزن الناتج عن الإحساس بظلم ما حدث.
 

لكن إذا ظل الشخص عالقًا في دائرة الندم، فإنه يضيف جلد الذات إلى تجربة مؤلمة بالفعل. وترى بندر أن الألم المفهوم الذي يصاحب الندم قد يخفي في الوقت نفسه فرصة لاكتشاف شيء مهم عن الذات.
 

وقد يكشف العلاج النفسي، عند النظر إلى الماضي، عن حقائق عاطفية ظلت مدفونة. فما الشعور الذي كان سينتاب الشخص لو أنه أنهى علاقة امتلأت بالإشارات التحذيرية؟ ولماذا اختارت نسخته الأصغر سنًا المضي قدمًا نحو الزواج رغم هذه المخاوف؟ وترى بندر أن بناء مستقبل أفضل يتطلب فهمًا نفسيًا أعمق للحظة السابقة، وللدوافع التي وقفت وراء اتخاذ القرار.
 

أما الشخص الذي تجاهل أعراضًا جسدية مقلقة، فقد يكون من المفيد أن يسأل نفسه كيف كان سيشعر لو أعطى العناية بنفسه أولوية أكبر، وما العقبات التي حالت دون اهتمامه باحتياجاته الشخصية. وإذا كان القلق الشديد من زيارة الأطباء قد منعه من المتابعة الطبية اللازمة، فقد يكون من المفيد التعامل مع هذا القلق من خلال العلاج النفسي أو الأدوية، خصوصًا إذا كان سيحتاج الآن إلى الخضوع لمسار علاجي أكثر كثافة.
 

وتخلص بندر إلى أن الإنسان لا يستطيع، خلال رحلة حياته، أن يرى ما ينتظره خلف المنعطف التالي. فالندم جزء من التجربة الإنسانية، بينما لا يصبح الفهم العميق متاحًا إلا عند النظر إلى الماضي. وإذا شعر الإنسان بالندم، فهذا يعني، لأسباب عديدة محتملة، أنه لم يدرك أهمية شيء ما في ذلك الوقت.
 

وترى أن إعادة فحص القرارات الماضية بتعاطف وفهم قد تخلق فرصة للتعلم، بدلًا من تحويل الندم إلى وسيلة لمعاقبة الذات.


https://www.psychologytoday.com/us/blog/lets-talk/202607/the-importance-of-understanding-regret