أعلن جهاز أمن السواحل الليبي، في بيان نشره يوم 20 يوليو، إنقاذ 27 مهاجرا من مصر والسودان كانوا مهددين بالغرق قبالة سواحل مدينة طبرق شرقي ليبيا، بعدما تعطل القارب الذي يقلهم في البحر، وانتهت العملية بنقل الناجين إلى الساحل وتقديم المساعدة الأولية لهم دون إعلان وقوع وفيات بينهم.
تكشف الواقعة استمرار انتقال مصريين وسودانيين إلى ليبيا ثم ركوب قوارب غير آمنة باتجاه أوروبا، بينما تتعامل حكومة عبد الفتاح السيسي مع هجرة المصريين باعتبارها ملفا أمنيا، وتتجاهل ارتباطها بتراجع الأجور وارتفاع الأسعار وانسداد فرص العمل، في وقت تدفع فيه الحرب السودانيين إلى طرق لا توفر حماية قانونية أو إنسانية.
قارب متهالك يعيد طبرق إلى واجهة الهجرة البحرية
وبحسب البيان الليبي، تحركت قوة الإنقاذ بعد تلقي معلومات عن وجود القارب في عرض البحر قبالة طبرق، وتمكنت من الوصول إلى المهاجرين قبل غرق المركب بالكامل، بينما لم ينشر الجهاز تفاصيل كافية عن مدة بقائهم في البحر أو نقطة انطلاقهم أو الجهة التي نظمت الرحلة مقابل أموال.
وبعد إتمام الإنقاذ، نقلت السلطات الليبية المهاجرين إلى اليابسة لإجراء الفحوص الأولية وحصر بياناتهم، غير أن البيان لم يحدد مصيرهم القانوني أو مكان احتجازهم أو إمكان تواصلهم مع أسرهم، وهي معلومات ضرورية لأن عمليات الإنقاذ في ليبيا تنتهي غالبا بإعادة المهاجرين إلى مراكز تخضع لجهات أمنية متعددة.
وفي الأسابيع السابقة للواقعة، شهدت سواحل طبرق عمليات إنقاذ وغرق متكررة شملت مهاجرين سودانيين ومصريين وجنسيات آسيوية وأفريقية، كما تحولت المنطقة الشرقية إلى نقطة انطلاق متزايدة نحو اليونان، بعدما وسعت شبكات التهريب نشاطها على الساحل المقابل لجزيرتي كريت وغافدوس.
كذلك أعلنت السلطات الليبية خلال يوليو إنقاذ عشرات السودانيين في عمليات منفصلة شمال شرقي طبرق، بينما وقع قبل أيام من بيان الـ27 حادث أكثر دموية قرب جزيرة البردعة، بعدما انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجرا، ولم ينج منه سوى عدد محدود وسط عمليات بحث عن عشرات المفقودين.
وتمنح هذه الوقائع عملية إنقاذ الـ27 أهمية تتجاوز العدد المعلن، لأن وصول القوة البحرية قبل انقلاب القارب فصل بين النجاة وتكرار مأساة البردعة، غير أن إنقاذ الأشخاص من المياه لا يعفي السلطات من ضمان عدم احتجازهم تعسفيا أو إعادتهم إلى أماكن تعرضهم للاستغلال والعنف.
وحذرت حنان صلاح، نائبة مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، من أن السلطات المتنافسة في ليبيا شاركت في تأجيج خطاب عدائي ضد المهاجرين وتنفيذ اعتقالات جماعية واحتجاز تعسفي وعمليات طرد، وهو تحذير يجعل متابعة أوضاع الناجين بعد إنزالهم جزءا أساسيا من توثيق الواقعة.
مصريون يفرون من الغلاء وحكومة السيسي تحاصر الأزمة بالصمت
ومن الجانب المصري، تعكس مشاركة مواطنين مصريين في الرحلة استمرار خروج الشباب عبر ليبيا رغم حملات الملاحقة والاتفاقات الأمنية، إذ لم تمنع الرقابة المشددة على الحدود انتقال المهاجرين إلى مدن الشرق الليبي، لأن الحكومة واجهت وسطاء الرحلات ولم تواجه الفقر والبطالة وتراجع القوة الشرائية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت ليبيا محطة رئيسية للمصريين الراغبين في الوصول إلى إيطاليا أو اليونان، سواء عبر السفر البري أو بواسطة شبكات تنقلهم بين الحدود والمخازن الساحلية، بينما يدفع المهاجر الواحد مبالغ كبيرة تجمعها الأسر بالديون أو بيع الممتلكات دون ضمان الوصول أو استرداد الأموال.
في المقابل، توسعت حكومة السيسي في تقديم نفسها للاتحاد الأوروبي باعتبارها شريكا في وقف الهجرة، وحصلت القاهرة على دعم مالي وسياسي مرتبط بإدارة الحدود واستضافة اللاجئين، لكن هذا التعاون لم ينتج مسارات هجرة قانونية كافية ولم يوقف خروج المصريين الذين لا يجدون دخلا يواكب تكاليف الغذاء والسكن والعلاج.
ومن ثم يكشف وجود مصريين على القارب أن الإجراءات الأمنية لم تعالج أصل المشكلة، فالمواطن الذي يقبل ركوب مركب متهالك لا يتخذ قراره بسبب ضعف الرقابة وحده، وإنما بسبب تقديره أن البقاء داخل البلاد لا يمنحه فرصة حقيقية للعمل أو الاستقلال أو إعالة أسرته في ظل موجات الغلاء المتلاحقة.
ووصف طارق المجريسي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أوضاع المهاجرين داخل ليبيا بأنها جحيم على الأرض، وهو توصيف يوضح حجم الخطر الذي يقبله المصريون قبل الصعود إلى البحر، لأن رحلتهم تمر ببيئة تنتشر فيها مراكز الاحتجاز والابتزاز والعمل القسري وشبكات الاتجار بالبشر.
ولا تستطيع حكومة السيسي فصل هذه الرحلات عن سياساتها الاقتصادية، لأن انهيار قيمة الجنيه وارتفاع الديون وتراجع فرص التوظيف الرسمي أضعفت قدرة قطاعات واسعة من الشباب على التخطيط للمستقبل، بينما تلاحق السلطات الخطاب المنتقد وتضيق المجال العام دون أن تقدم كشفا علنيا بأعداد المصريين المفقودين أو المحتجزين في ليبيا.
السودانيون بين الحرب ومراكز الاحتجاز ومسارات البحر القاتلة
أما المهاجرون السودانيون، فتبدأ مخاطر رحلتهم قبل الوصول إلى الساحل الليبي، إذ تدفع الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 ملايين المدنيين إلى النزوح داخل السودان أو عبور الحدود، ثم يواجه كثيرون منهم قيود الإقامة والعمل وتدهور أوضاع اللجوء في دول الجوار، ما يدفع بعضهم إلى مواصلة الطريق شمالا.
وفي مصر، واجه سودانيون خلال الشهور الأخيرة حملات توقيف وترحيل وانتقادات حقوقية بسبب ظروف الاحتجاز، رغم استمرار القتال داخل السودان، كما دفعت صعوبة الحصول على الإقامة والعمل المنتظم بعض الأسر والأفراد إلى مغادرة مصر نحو ليبيا، حيث ينتقلون من خطر الترحيل إلى خطر الخطف والاستغلال والعبور البحري.
وبالتزامن مع ذلك، وثقت منظمات حقوقية تعرض مهاجرين ولاجئين في ليبيا للاحتجاز دون مراجعة قضائية وللضرب والابتزاز والعنف الجنسي، بينما لا تضمن عملية الإنقاذ وحدها وصول الناجين إلى مكان آمن، خصوصا عندما تسلمهم القوات البحرية إلى أجهزة أو مراكز لا تسمح برقابة مستقلة على أوضاعهم.
وأكد ماتيو دي بيليس، الباحث في شؤون الهجرة واللجوء بمنظمة العفو الدولية، أن إعادة الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى ليبيا تعرضهم للاحتجاز التعسفي والتعذيب والاغتصاب والاستغلال، ولذلك تخدم شهادته هذا المحور بوصفها تقييما حقوقيا واضحا لمصير قد ينتظر الناجين بعد انتهاء مرحلة الإنقاذ المباشر.
وبناء على ذلك، تحتاج عملية إنقاذ المصريين والسودانيين إلى متابعة معلنة تشمل أسماء الناجين وحالتهم الصحية ومكان وجودهم وضمان اتصالهم بعائلاتهم وحصولهم على المساعدة القانونية، لأن الاكتفاء بصورة القارب أو إعلان العدد يحول الواقعة إلى خبر عابر، بينما يبقى الأشخاص معرضين للاختفاء داخل منظومة احتجاز غير شفافة.
وأخيرا، أنقذ الوصول إلى القارب 27 شخصا من الغرق، لكنه لم ينه الأسباب التي وضعتهم في البحر، إذ ما زالت حكومة السيسي تدفع كلفة أزماتها الاقتصادية إلى المواطنين ثم تقدم الهجرة باعتبارها جريمة فردية، بينما تستمر الحرب السودانية والانتهاكات الليبية والسياسات الأوروبية في إغلاق الطرق الآمنة وترك البحر طريقا أخيرا للفارين.

