كشفت قرارات حكومية وصفقات استثمارية متلاحقة إخضاع نحو 707234.5 فدان بالساحل الشمالي الغربي لولاية هيئة المجتمعات العمرانية، بالتزامن مع تخصيص مساحات كبيرة لمستثمرين أجانب، لتتحول الأراضي الساحلية إلى مورد سريع للعملة الأجنبية تستخدمه حكومة عبد الفتاح السيسي في مواجهة نقص الدولار والعجز المالي المتصاعد.
وربطت الحكومة بين طرح الأراضي وجذب الاستثمار المباشر، بينما جاءت الصفقات وسط التزامات خارجية ضخمة وفوائد تلتهم الإيرادات العامة، وهو ما وضع الشريط الساحلي في قلب سياسة اقتصادية تعتمد على تحويل الأرض إلى تدفقات نقدية عاجلة بدل معالجة ضعف الإنتاج والصادرات وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد الدولار بصورة مستدامة.
الأرض الساحلية تدخل برنامج الإنقاذ بالدولار
وبدأت إعادة تشكيل ملكية الساحل بصدور القرار الجمهوري رقم 361 لسنة 2020، الذي أعاد تخصيص نحو 707234.5 فدان لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، تحت عنوان إقامة مجتمعات عمرانية، ومنح الهيئة سلطة التفاوض مع الشركات والجمعيات وحائزي الأراضي وتحديد المقابل المالي وشروط التقنين أو إعادة التخصيص.
ثم فتحت الهيئة باب التفاوض مع مئات الكيانات الموجودة داخل حدود القرار، ووضعت آليات لتسعير الأراضي وتحصيل رسوم التحسين والمرافق واستغلال الشاطئ، بما جعل الحكومة صاحبة القرار النهائي في مساحات واسعة تمتد عبر الساحل الشمالي الغربي، وأتاح لها إعادة طرح الأراضي وفق احتياجاتها المالية والاستثمارية المتغيرة.
بعد ذلك جاءت صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024 لتكشف الاستخدام المباشر للأرض في معالجة أزمة النقد الأجنبي، إذ خصصت الحكومة نحو 55 ألف فدان لمشروع تقوده شركة إماراتية، مقابل حزمة أعلنت القاهرة أن قيمتها المباشرة تبلغ 35 مليار دولار، بينها سيولة جديدة وتحويل ودائع إماراتية إلى استثمارات.
وبحسب البنود الحكومية المعلنة، حصلت مصر على 24 مليار دولار من السيولة الجديدة، إلى جانب إسقاط 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية المستحقة، واحتفظت بحصة تبلغ 35 بالمئة من أرباح المشروع، بينما انتقلت السيطرة على تطوير واحدة من أهم مناطق الساحل إلى شركة أجنبية لعقود طويلة.
وفي هذا السياق يرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن تقييم صفقة رأس الحكمة لا يقتصر على المبلغ المعلن، لأن الدولة ستتحمل تكاليف الطرق والطاقة والمياه والصرف والمرافق اللازمة للمشروع، وهو ما يعني أن الإيرادات المتداولة لا تمثل عائدًا صافيًا يمكن قياسه بعيدًا عن النفقات العامة اللاحقة.
صفقات جديدة توسع نفوذ المستثمرين الأجانب
لاحقًا مضت الحكومة في تكرار النموذج بدل اعتباره إجراء استثنائيًا، إذ وقعت اتفاق مشروع علم الروم مع شركة الديار القطرية على مساحة تقارب 4900 فدان في محافظة مطروح، مقابل دفعة أولية بمليارات الدولارات واستثمارات طويلة الأجل، مع حصول الدولة على مقابل للأرض وحصة من الإيرادات.
وفي الوقت نفسه كشفت تقارير اقتصادية عن تخطيط الحكومة لإنشاء مدينة جديدة على مساحة تقارب 110 آلاف فدان غرب الساحل الشمالي، مع بحث إسناد تطوير مناطق منها إلى مستثمرين عرب وأجانب، بما يوسع نطاق الأراضي التي يمكن تحويلها إلى صفقات دولارية خارج الرقابة البرلمانية والمناقشة العامة الكافية.
كذلك اقترب بنك الاستثمار القومي خلال يناير 2026 من الاتفاق مع مستثمر إماراتي لتطوير مشروع سياحي عمراني على مساحة 642 فدانًا قرب منطقة الجفيرة، بإيرادات مستهدفة تتجاوز مئات المليارات من الجنيهات، في مؤشر جديد على استخدام المؤسسات العامة لمحافظ الأراضي والأصول في سد احتياجاتها التمويلية.
وفي أغسطس 2025 فرضت هيئة المجتمعات العمرانية رسومًا تبلغ 20 دولارًا للمتر على بعض المشروعات التي تدخل فيها أطراف أجنبية بالساحل، وربطت تلك الرسوم بتغيير هياكل الملكية أو الشراكة، وهو ما أظهر أن الحكومة تنظر إلى المشروعات الأجنبية باعتبارها مصدرًا مباشرًا للنقد الأجنبي إلى جانب حصيلة بيع الأرض.
ومن جهته حذر الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام مرارًا من معالجة نقص الدولار ببيع الشركات والبنوك والأراضي، معتبرًا أن حصيلة البيع تذهب غالبًا إلى دعم الاحتياطي أو سداد الديون والالتزامات الجارية، بينما تفقد الدولة أصولًا قادرة على توليد إيرادات مستقبلية دون إنهاء الأسباب المنتجة للأزمة.
الديون تبتلع الحصيلة والمواطن يدفع التكلفة
بالتوازي واصلت الموازنة العامة تسجيل عجز واسع مع ارتفاع فوائد الدين، وهو ما دفع وزارة المالية إلى إعلان تخصيص جزء من حصيلة برنامج الطروحات وخفض ملكية الدولة لسداد الالتزامات، فأصبحت الأرض الساحلية وسيلة لتمويل فجوات مالية خلفتها سنوات من الاقتراض والإنفاق على مشروعات لم تولد عائدًا دولاريًا كافيًا.
وعلى مستوى السياسة الاقتصادية لم توجه الحكومة الجزء الأكبر من التدفقات الاستثنائية إلى إعادة بناء الصناعة أو دعم الزراعة والتصدير، بل استخدمت الأموال في الوفاء باستحقاقات عاجلة وتهدئة سوق الصرف واستيراد الاحتياجات الأساسية، قبل أن تعود ضغوط الدولار مع استمرار العجز التجاري وارتفاع خدمة الدين الخارجي.
وفي هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن تقييم الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية يمثل إحدى أخطر مشكلات الخصخصة، لأن البيع العاجل تحت ضغط الاحتياج المالي يمنح المشتري قوة تفاوضية أكبر، ويحرم الخزانة والمجتمع من القيمة الكاملة للأرض ومكاسبها المتراكمة خلال العقود المقبلة.
وعلاوة على الخسارة المالية تفرض مشروعات الساحل ضغوطًا مباشرة على السكان المحليين، بعدما واجه أهالي رأس الحكمة إجراءات نزع ملكية ونقل وتعويض، بينما سيطرت الأجهزة التنفيذية على المفاوضات والتقييمات، وظلت العقود التفصيلية وتكاليف البنية الأساسية وآليات توزيع الأرباح بعيدة عن الاطلاع الشعبي والرقابة المستقلة.
ومن ثم لا تعالج صفقات الساحل جذور نقص الدولار، لأن بيع الأرض يوفر دفعة واحدة بينما تستمر المدفوعات الخارجية عامًا بعد آخر، كما أن توسع الملكية الأجنبية يحول جزءًا من الأرباح والإيرادات المستقبلية إلى الخارج، بما يضيف طلبًا جديدًا على العملة الأجنبية عندما تبدأ الشركات تحويل عوائدها.
أخيرًا تكشف خريطة الصفقات أن حكومة السيسي تستخدم الأرض العامة لتأجيل انفجار أزمة صنعتها المديونية وسوء ترتيب الأولويات، فكل صفقة تمنح الخزانة مهلة محدودة مقابل التنازل عن مساحة جديدة، بينما يبقى المواطن أمام الأسعار والضرائب وخفض الدعم، وتبقى السواحل المصرية رصيدًا يتناقص كلما اقترب موعد سداد جديد.

