الدكتور عبد الله سيف

شهدت منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية وعسكرية متسارعة، أعادت صياغة معادلات الأمن الإقليمي والدولي؛ إذ لم يعد التنافس الاستراتيجي بين جمهورية إيران الإسلامية من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، محصوراً في أروقة الدبلوماسية أو حرب الوكالات التقليدية، بل انزلق إلى مواجهة ميدانية مباشرة أثرت بعمق على الاستقرار الهيكلي لمنطقة الخليج العربي. ، فبالرغم من تبني دول الخليج العربي  استراتيجيات دبلوماسية وقائية لتهدئة الأزمات، وجدت نفسها في قلب خط النار المباشر نتيجة الاستهدافات الصاروخية الإيرانية لمنشآتها الحيوية وممرات الطاقة العالمية.

وتُعزى الاستهدافات العسكرية الإيرانية لدول الخليج العربي إلى عدة أبعاد استراتيجية وجيوسياسية معقدة، ترتبط مباشرة بالمواجهة الدائرة بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتتلخص الأسباب والدوافع الرئيسية وراء هذا السلوك في رغبة طهران في توسيع نطاق الضغط وتوزيع كلفة الحرب؛ حيث تتبنى استراتيجية تقوم على أن الخليج ليس هامشاً محايداً، بل هو جزء من البنية اللوجستية والسياسية للتحالفات الغربية، ومن ثمَّ تسعى إلى نقل كلفة المواجهة العسكرية إلى حلفاء واشنطن الإقليميين للضغط عليهم وعلى المجتمع الدولي. ويتزامن ذلك مع مساعيها لردع الدعم اللوجستي للولايات المتحدة عبر توجيه رسائل حازمة لدول الخليج لردعها عن تقديم أي تسهيلات، أو فتح أجوائها، أو السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية لشن هجمات ضد البنية التحتية الإيرانية. كما تبرز الرغبة الإيرانية في إحداث صدمة للاقتصاد العالمي كأوراق ضغط تفاوضية، مستغلةً حقيقة أن الخليج يمثل عصب إمدادات الطاقة العالمية من خلال مضيق هرمز، مما يجعل استهداف منشآت النفط والغاز وسيلة لإرباك الأسواق ورفع الأسعار لفرض شروط طهران السياسية والاقتصادية. وتوظف طهران دول الجوار كمعادلة أمنية بديلة تمثل أهدافاً أقل تحصيناً مقارنة بالقواعد الأمريكية المباشرة لإثبات قدرتها على الردع عندما تتلقى ضربات قاسية في العمق، فضلاً عن سعيها لتثبيت سيطرتها الميدانية على الممرات المائية وإيصال رسالة بأنها القوة المهيمنة التي تستطيع التحكم بالملاحة وتحدي الجهود الدولية الرامية لتقويض نفوذها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الوصول إلى ترجيح مطلق بين الروايات المفسرة للأزمة أمراً معقداً؛ فكل قراءة تعبر عن عقيدة أمنية ورؤية سياسية يتبناها كل طرف بناءً على مصالحه وتاريخه. حيث تستند الرواية الأولى، التي ترى دول الخليج كضحية وإيران كدولة معتدية، إلى القانون الدولي ومفهوم سيادة الدول، معتبرةً أن إبرام التحالفات الأمنية ووجود القواعد الأمريكية جاء بناءً على طلب دول الخليج لحماية حدودها، وهو حق سيادي طبيعي كفلته المواثيق الدولية. وتضيف هذه الرواية أن الهجمات الإيرانية التي تطال المنشآت النفطية والناقلات البحرية تمثل استهدافاً صريحاً لأصول مدنية واقتصادية لدول لم تعلن الحرب، مما يصنف قانونياً كأعمال عدائية واعتداء مباشر، فضلاً عن اتهام طهران بتبني سياسة التدخل وزعزعة الاستقرار عبر تغذية شبكة من الفصائل المسلحة لتطويق المنطقة.

وبالمقابل، تنطلق الرواية الثانية من مفهوم "الأمن القومي الواقعي" وتوازن القوى، وترى أن إيران في حالة دفاع عن النفس وتواجه حصاراً عسكرياً شاملاً؛ حيث تنظر طهران إلى انتشار القواعد الأمريكية المحيطة بها كحشد هجومي يستهدف تغيير نظامها. وتعتبر طهران العقوبات الاقتصادية بمثابة "إعلان حرب" يهدف لإسقاط الدولة، مما يبرر لها ضرب مصالح حلفاء واشنطن كنوع من الرد بالمثل ورفع الحصار ضمن استراتيجية الردع الاستباقي والدفاع الهجومي خارج الحدود لمنع الحرب الشاملة عليها. وتكشف المقاربة الموضوعية أن هذين الموقفين يغذيان بعضهما البعض في حلقة مفرغة، فالخوف الخليجي يدفع للاحتماء بالمظلة الأمريكية، والتواجد الأمريكي يثير رعب إيران ويدفعها للتصعيد، وهو ما يؤكد المخاوف الخليجية مجدداً.

ويمتد هذا التحليل الجيوسياسي ليرصد فرضية سعي الولايات المتحدة وإسرائيل لتوريط الخليج في صراع مباشر مع إيران لاستنزاف الأطراف الإقليمية ثم الانسحاب، وهي الاستراتيجية المعروفة بـ "تمرير المسؤولية". وتدعم هذه الفرضية شواهد وسوابق تاريخية، أبرزها عقيدة الانسحاب التدريجي والتحول الأمريكي نحو آسيا لمواجهة التحدي الصيني، وتفضيل واشنطن أن يتحمل الحلفاء الفاتورة العسكرية، إلى جانب المواقف الصادمة السابقة مثل الموقف البارد للإدارة الأمريكية عام 2019 إثر استهداف منشآت "أرامكو"، والذي أثبت حدود المظلة الأمنية، توازياً مع المصلحة الإسرائيلية في بناء تحالف إقليمي يتحمل العبء الجغرافي والاقتصادي للمواجهة. ورغم هذه الشواهد، تبرز كوابح تمنع واشنطن من الانسحاب الكامل، أهمها حماية شريان الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة التي يتسبب شللها في ركود اقتصادي يضرب الأسواق الغربية في مقتل، فضلاً عن الحفاظ على مصداقية التحالفات الأمريكية عالمياً. ونتيجة لهذا الفهم، استوعب العقل السياسي الخليجي هذه المصيدة، متجهاً نحو التحوط الدبلوماسي، وتنويع الشركاء الدوليين كالصين وروسيا، ورفض الانخراط في تحالفات هجومية علنية.

وعند تفكيك حدود السيناريوهات العسكرية الميدانية المتطرفة، كفرضية رد إيران بغزو بري لدولة كالكويت في حال تعرضها لغزو أمريكي، نجدها فرضية غير واقعية عسكرياً وجغرافياً؛ نظراً لغياب الحدود البرية المشتركة، والتفوق الجوي والبحري الأمريكي في الخليج، فضلاً عن الاتفاقيات الأمنية الصارمة للكويت كحليف رئيسي خارج الناتو. فالعقيدة العسكرية الإيرانية لا تعتمد على الغزو البري المضاد، بل على حرب العصابات الداخلية واستراتيجية الدفاع الصاروخي وحرب المضائق والبحار. وبناءً على ذلك، تتحدد احتمالات انخراط دول الخليج عسكرياً على المدى القريب في مستوى مرتفع جداً دفاعياً ومتوسط هجومياً، متمثلاً في عمليات الاعتراض الجوي والبحري ومرافقة السفن لحماية السيادة والمنشآت الحيوية (الطاقة والمياه) ومواجهة أزمة الملاحة في مضيق هرمز. أما على المدى المتوسط، فتتحول الاحتمالية إلى مسار منخفض كحرب شاملة ومرتفع كتحالفات ردع، حيث تتجه العواصم الخليجية نحو بناء منظومة دفاعية إقليمية ذاتية ومستقلة (مظلة دفاع جوي وبحري موحدة) لفرض معادلة ردع دون اعتماد أعمى على المظلة الخارجية.

وفي هذا السياق، يمثل انخراط باقي الدول العربية، ولا سيما جمهورية مصر العربية، واحداً من أعقد مسارات الدبلوماسية والعسكرية الرمادية في المنطقة، حيث يوازن الموقف المصري بدقة بين الالتزامات القومية والمحددات الاقتصادية. وتطور الشق العسكري المصري مدفوعاً بتهديد الأمن القومي لحلفائه في الخليج، ليشمل إرسال دعم فني ودفاعي متمثل في وحدات دفاع جوي ومقاتلات لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية، مع إصرار السياسة العسكرية المصرية على أن يكون هذا الدور دفاعياً حصرياً، تماشياً مع عقيدة الجيش الرافضة للانخراط في حروب استنزاف هجومية أو إرسال قوات برية. أما في الشق الدبلوماسي وإدارة الأزمات، فتتحرك القاهرة لمنع سيناريوهات الانهيار الإقليمي الشامل الذي قد يفرز هيمنة إسرائيلية مطلقة، وتجلى ذلك في قيادة حراك دبلوماسي عبر قنوات خلفية بمشاركة قوى إقليمية كتركيا وباكستان لبناء تفاهمات ووقف إطلاق نار مؤقت، رغبةً في احتواء الكلفة الاقتصادية الوجودية الناجمة عن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس وتأثيرها المباشر على الأمن الاقتصادي المحلي. ويتناغم هذا التوازن مع تفاوت انخراط بقية الدول العربية؛ حيث يقع العراق في العمق كساحة لتصفية الحسابات ومحاولات حكومية لكبح الفصائل، بينما يمثل الأردن خط الدفاع الجوي الأول لاعتراض المقذوفات العابرة لأجوائه، في حين بقيت جبهات سوريا ولبنان ساحات إسناد واستنزاف مباشرة للمحور الإيراني.

تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن هذا الصراع قد أحدث قطاعاً فاصلاً مع أنماط الردع التقليدية التي سادت منطقة الخليج العربي لعقود؛ فقد أثبتت المعطيات الميدانية أن سياسة "الدفاع السلبي" والاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الغربية لم يعودا كافيين لضمان سلامة البنى التحتية والاقتصادية الخليجية أمام استراتيجية "الدفاع الهجومي" الإيرانية. ويكشف المشهد أن تفادي دول المنطقة لـ"مصيدة الاستنزاف" المشتركة قد فرض تحولاً نوعياً في العقل السياسي الخليجي نحو "التحوط الاستراتيجي"، وتنويع الشركاء الدوليين، وتصفير الأزمات البينية عبر القنوات الخلفية. وفي المقابل، أظهر الموقف المصري والعربي المحوري ميزاناً حرجاً نجح في تقديم الدعم الدفاعي والفني لحماية الأمن القومي العربي، دون الانزلاق إلى حرب برية شاملة لا تخدم سوى مصالح القوى العظمى خارج الإقليم. ويخلص تحليل المشهد إلى أن استدامة الاستقرار في الشرق الأوسط على المدى المتوسط لن تتحقق عبر استمرار الدائرة المفرغة للردع العسكري المتبادل، بل تتطلب صياغة منظومة أمنية إقليمية ذاتية ومستقلة، تُجبر الأطراف كافة على احترام السيادة الوطنية وسلامة الممرات المائية كشرط أساسي للبقاء الاقتصادي والتنموي المشترك.