قطب العربي

كاتب وصحفي مصري

 

لم تكن دعوة السيسي لتطوير الإعلام المصري خلال افتتاحه المجمع العسكري(الأوكتاجون) مؤخرا هي الدعوى الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، لكنها كما سابقاتها من الدعوات لا تتمتع بأي جدية أو مصداقية، وهي مثل دعوته لتنشيط الحياة الحزبية، ودعوته للحوار الوطني، وإعلانه عن استراتيجية وطنية لحقوق الانسان، فكلها دعوات وتحركات لإشعال النخب الإعلامية والسياسية والحقوقية بجدل ونقاشات وخناقات لن تغير من الواقع شيئا، وهو الواقع الذي فرضه السيسي شخصيا فيما يصفه بالجمهورية الجديدة، والتي تتبلور أهم ملامحها في انسداد سياسي وإعلامي وحقوقي، حيث تؤمن قيادة هذه الجمهورية أن أي انفتاح ولو بسيط في أي من هذه المجالات سيتسبب في حراك عام في المجتمع قد يعيد مشاهد يناير مجددا، والتي هي كابوس النظام في صحوه ومنامه.

 

حدد السيسي من قبل عام 2022 عاما للمجتمع المدني، وبدء تطبيق استراتيجية حقوق الانسان، وانقضى ذلك العام ومر بعده 4 أعوام بينما حالة المجتمع المدني وحقوق الإنسان تسير من سيء إلى أسوأ، وتحدث السيسي من قبل عن تطوير الحياة السياسية فإذ بهذا التطوير يسفر عن خنق الأحزاب، وهندسة الانتخابات البرلمانية، بما يحفظ لأحزاب الموالاة الغالبية الكاسحة، مع السماح بفتات من المقاعد لأحزاب أخرى ملحقة بها، وعدم السماح بتشكيل قوائم حزبية معارضة، وما حدث مع المجتمعين الحقوقي والحزبي هو ذاته ما سيتكرر مع المجتمع الإعلامي عقب الدعوة الجديدة لفتح المجال الإعلامي أمام تعدد الآراء.

 

رغم أن البعض حاول تسويق دعوة السيسي باعتبارها حدثا مهما إلا أن الوسط الإعلامي في مجمله لم يعرها اهتماما، فهو يدرك أن ما يعانيه الإعلام من تدهور تم بفعل فاعل منذ العام 2013 وحتى الآن، يكفي أن نعرف أن مصر تتراجع درجة سنويا بشكل منتظم على مؤشر حرية الصحافة، هذا التراجع المستمر سببه فرض سياسة الصوت الواحد، وإغلاق العديد من القنوات والصحف المعارضة، وحجب مئات المواقع الالكترونية، وحبس عشرات الصحفيين والإعلاميين، والهيمنة الحكومية والأمنية شبه الكاملة على وسائل الإعلام العامة والخاصة.

 

تضمنت دعوة السيسي تكليف وزارة الدولة للإعلام بعقد مؤتمر سنوي يوم 3 ديسمبر كانون أول من كل عام لمراجعة أوضاع الاعلام المصري ومناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة!، وقد اختار السيسي هذا اليوم كونه ذكرى صدور أول صحيفة مصرية (الوقائع المصرية) في 3 ديسمبر 1828، والسؤال هو ما الذي سيختلف فيه هذا المؤتمر عن مؤتمرات وورش عمل عقدها وزير الدولة للإعلام أيضا حول أوضاع الإعلام المصري، وقدمت عشرات التوصيات للإصلاح حتى ولو كان شكليا؟!.

 

ليس رجما بالغيب، ولكنه استناد إلى واقع؛ فمن المؤكد أن هذا المؤتمر سيكون نسخة رديئة من الحوار الوطني الذي انعقد بدعوة من السيسي نفسه لمدة عام ثم انفض، وقد أصدر عشرات بل ربما مئات التوصيات التي كان مصيرها سلة القمامة، سيكون المؤتمر فقط فرصة لإشغال مئات من الصحفيين والإعلاميين في حوارات عقيمة، وربما في نزاعات حول بعض الشكليات، ثم ينفض بعد أن يفرغ المتحاورون شحنتهم، ويعودوا إلى مكاتبهم، وتبقى السياسات القمعية هي الحاكمة للعمل الإعلامي، تدفعه لمزيد من الانهيار والتراجع، وتدفع العاملين في المهنة للبحث عن مهن جديدة تكفي لسد احتياجاتهم الضرورية.

 

الحرية هي كلمة السر لإصلاح وتطوير الإعلام المصري، لكن كيف لنظام قتل تلك الحرية أن يسمح بعودتها؟ وهو الذي يخشى مجرد نطق حروفها، ويدرك أن قليلا منها كفيل بانفجار الغضب، لقد أدرك نظام السيسي أن الهامش النسبي للحرية الذي تمتعت به الصحافة الخاصة على وجه التحديد قبل ثورة يناير ساهم في اندلاع تلك الثورة، لأنه ساهم بقوة في تطوير الوعي لدى المصريين، ومن ثم فإنه (النظام) لا يريد أن يكرر ذلك الهامش مجددا، وقد أعلنها السيسي صريحة مرات عديدة أنه لن يسمح بتكرار أحداث يناير!!.

 

في الجمهورية الجديدة كل شيء أعوج، فكيف ينصلح حال الإعلام وسط هذا الاعوجاج، وكيف يستقيم الظل والعود أعوج، إصلاح الإعلام وتطويره لن يكون بالمؤتمرات والمكلمات، ولا حتى بتحديث المطابع والاستوديوهات، لن يحدث إصلاح في ظل حكم استبدادي، يطلب من الشعب أن لا يسمع كلام أحد غيره، يدعي الصدق والأمانة بينما الوقائع على الارض تكذب ذلك، فما من مرة دعا فيها السيسي إلى تطوير الإعلام إلا أعقبها موجة جديدة من التردي والقمع.

 

ربما تمنى الكثيرون أن تكون دعوة السيسي صادقة، لكن لسان حالهم يقول "كيف وهذا أثر فأسك"؟!، ولسان حالهم يقول أيضا لو كانت النوايا صادقة فإن الأمر لا يحتاج إلى مؤتمرات سنوية ينفق عليها ملايين الجنيهات التي يمكن صرفها لتحسين أوضاع الصحفيين والإعلاميين.

 

لقد قدمت نقابة الصحفيين في العديد من جمعياتها العمومية ومؤتمراتها العامة وآخرها المؤتمر العام السادس في ديسمبر 2024 العديد من التوصيات لإصلاح وتطوير الإعلام، بدءا بمراجعة البيئة التي يعمل بها، والتعامل معه كصناعة استراتيجية ذات طبيعة خاصة تمثل القوى الناعمة للمجتمع، وتحرير الصحافة والإعلام من القيود المكبلة لعملهما، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحفيين، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإصدار قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، والإفراج عن جميع الصحفيين المحبوسين، وتبييض السجون من المحبوسين على ذمة قضايا رأي، وإنهاء هذا الملف المؤلم. والتأكيد على ضرورة الإفراج عنهم ضمن حزمة إجراءات تمنع إضافة آخرين، وتؤكد قدرة الصحفيين على أداء عملهم بأمان دون خوف من النيل من حريتهم، وتعديل التشريعات المنظمة للصحافة والإعلام، وعلى رأسها قانون تنظيم الصحافة والإعلام، بما يرسخ استقلال المؤسسات الصحفية، ويسهل أداء الصحفيين لواجبهم المهني، ويرفع القيود على حرية الرأي والتعبير، ويحسّن أجور العاملين بما يتناسب مع معدلات التضخم، والتطبيق الكامل والأمين للضمانات الدستورية التي تكفل حرية الممارسة الصحفية، وإزالة القيود التشريعية المخالفة للدستور، ومواءمة التشريعات القائمة ـ خاصة الصادرة في السنوات الأخيرة ـ مع تلك الضمانات، ومراجعة القيود والضوابط القانونية على حرية الإصدار المخالفة للدستور، وإزالة كل الحواجز أمام حق المواطنين في المعرفة، ورفع الحجب عن جميع المواقع الصحفية والإعلامية، وسرعة البت في طلبات الترخيص، ورفض الممارسات الاحتكارية في الصحافة والإعلام.

 

هذه هي الوصفة السحرية لتطوير الإعلام، لكنها لم تجد صدى حين صدورها، ولن تجد صدى في ظل حاكم يخشى الحرية، ويكره الديمقراطية، ويسخر من الدستور الذي كتب بنوايا حسنة حسب تعبيره!.