أعلن عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر صحفي عقده في دار السلام مع رئيسة تنزانيا سامية حسن تطلع مصر إلى استصلاح أراض زراعية وتنفيذ محاور لوجستية مشتركة وتوسيع التعاون بين دول حوض النيل بعدما شهدت زيارته الرسمية يوم 18 يوليو 2026 توقيع مذكرتي تفاهم في النقل والكهرباء والطاقة المتجددة.

 

وتأتي الوعود الجديدة بينما تراجع التبادل التجاري بين مصر وتنزانيا إلى 12.3 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026 مقابل 15.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025 بانخفاض بلغ 21.6 بالمئة وهو رقم يكشف محدودية العلاقات الاقتصادية الفعلية رغم سنوات من الزيارات والاتفاقات والإعلانات الحكومية المتكررة.

 

استصلاح بلا ضمانات معلنة

 

وعلى الصعيد الزراعي قال السيسي إن المباحثات تناولت البدء في مشروع لاستصلاح الأراضي داخل تنزانيا بهدف توفير المحاصيل الأساسية والاستراتيجية للبلدين ثم توسيع الإنتاج على مراحل تسمح بتكوين فائض مخصص للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية من دون إعلان مساحة المشروع أو تكلفته أو مصادر تمويله أو موعد تشغيله.

 

وبحسب ما أعلنه الجانبان تشمل خطة التعاون مشروعات أخرى في الزراعة والثروة الحيوانية والاستثمار الغذائي بما يفترض أن يزيد التبادل التجاري ويوفر سلاسل إمداد بديلة لمصر غير أن المؤتمر لم يحدد ملكية المحاصيل المنتجة أو حصة كل دولة أو قواعد تشغيل العمالة وحماية حقوق المزارعين والمجتمعات المحلية في تنزانيا.

 

وفي المقابل يفرض وصف المشروع بأنه أداة لتحقيق الأمن الغذائي أسئلة مباشرة بشأن قدرة الحكومة المصرية على نقل المحاصيل من تنزانيا وتخزينها وتسعيرها وضمان وصولها إلى السوق المحلية لأن الزراعة خارج الحدود لا تتحول تلقائيا إلى غذاء متاح للمواطن ما لم ترتبط بعقود توريد واضحة وبنية نقل مستقرة وتكلفة قابلة للتحمل.

 

ومن جهته سبق أن حذر أستاذ الاقتصاد الزراعي والمياه بجامعة القاهرة نادر نور الدين من اتساع اعتماد المنطقة العربية على استيراد الحبوب والزيوت واللحوم ومن تأثير تكاليف الطاقة في سلاسل إنتاج الغذاء وهو ما يجعل نجاح المشروع التنزاني مرهونا بإعلان نوعية المحاصيل وكلفة الإنتاج والشحن لا بالاكتفاء بترديد عبارة الأمن الغذائي.

 

لذلك لا تمنح التصريحات الرئاسية الرأي العام أساسا كافيا لتقييم الجدوى الاقتصادية للمشروع لأن الحكومة لم تنشر دراسة للتربة والمياه أو اتفاق انتفاع بالأرض أو آلية رقابة على التمويل كما لم توضح ما إذا كانت المحاصيل ستعود إلى مصر أم ستباع في الأسواق التي تحقق للمستثمرين عائدا أكبر.

 

ممرات لوجستية أمام تجارة منكمشة

 

أما في قطاع النقل فقد عرض السيسي استعداد مصر للمشاركة في توسعة ميناء دار السلام وتطويره ضمن مخطط لإنشاء محاور لوجستية تربط تنزانيا بالدول المجاورة وتتيح الوصول إلى أسواق شرق ووسط أفريقيا عبر الميناء الذي يمثل منفذا رئيسيا لعدد من الدول الحبيسة المحيطة بتنزانيا.

 

وفي هذا المسار ناقش الجانبان إنشاء خط ملاحي منتظم يربط ميناء سفاجا بميناء دار السلام إلى جانب ممر متعدد الوسائط يصل القاهرة بالعاصمة التنزانية من خلال الموانئ والطرق وخطوط السكك الحديدية والمناطق اللوجستية وهي مقترحات طرحتها وزارة النقل المصرية منذ فبراير 2024 من دون تشغيل الخط الملاحي حتى الآن.

 

لكن القيمة المتواضعة للتجارة الثنائية تضع الحكومة أمام تناقض لا يمكن إخفاؤه بالحديث عن المحاور الإقليمية إذ بلغت الصادرات المصرية إلى تنزانيا 11.1 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026 بزيادة 3.2 بالمئة بينما هبطت الواردات بدرجة دفعت إجمالي التبادل إلى التراجع بأكثر من الخمس خلال عام واحد.

 

وبالتوازي شارك السيسي وسامية حسن في الجلسة الختامية لاجتماع ضم أكثر من 35 رجل أعمال مصريا ونحو 120 رجل أعمال تنزانيا وقالت الرئاسة إن الاجتماعات حققت نتائج عملية في التجارة والاستثمار غير أن البيانات المعلنة لم تتضمن عقودا نهائية أو قيم تمويل أو آجالا ملزمة لتنفيذ المشروعات المقترحة.

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي عمر الشنيطي أن ضعف البنية التحتية يصعب الوصول إلى أسواق وسط أفريقيا وأن استكمال طرق الربط يمكن أن يغير خريطة النقل في القارة غير أن هذا التقييم يضع التنفيذ الفعلي في مقدمة الأولويات ويكشف قصور الاكتفاء بمذكرات تفاهم لا تحدد المستثمرين والتكلفة وحجم البضائع المستهدفة.

 

ومن ناحية أخرى تتطلب توسعة ميناء دار السلام تنسيقا واضحا مع ترتيبات التشغيل القائمة داخله ومع شبكات النقل التنزانية والدول المجاورة لأن الخط البحري وحده لن يضمن زيادة الصادرات المصرية ما دامت تكلفة الشحن وإجراءات الحدود وضعف التخزين والطلب المحدود تعرقل انتقال السلع من الميناء إلى الأسواق الداخلية.

 

تفاهم النيل بعد عنتيبي

 

وعند الانتقال إلى ملف مياه النيل دعا السيسي تنزانيا إلى أداء دور إيجابي في تشجيع التفاهم والتعاون بين دول الحوض بينما تحمل الدعوة إقرارا ضمنيا بتراجع قدرة القاهرة على بناء توافق إقليمي يحمي مصالحها بعدما دخلت اتفاقية عنتيبي حيز النفاذ في أكتوبر 2024 رغم الاعتراض المصري والسوداني المستمر.

 

ويضم النطاق الجغرافي لحوض النيل 11 دولة هي مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية وإريتريا التي تشارك بصفة مراقب بينما تتمسك مصر بحصة سنوية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب وتعد مياه النهر مصدرها الرئيسي في مواجهة فقر مائي متفاقم.

 

وفي خلفية الدعوة المصرية كانت تنزانيا من أوائل الدول التي وقعت الاتفاقية الإطارية في مايو 2010 ثم صدقت عليها عام 2015 قبل أن يكتمل العدد المطلوب لدخولها حيز النفاذ عقب تصديق جنوب السودان وهو تطور واجهته القاهرة في أكتوبر 2024 بمطالبة الدول الموقعة بمراجعة مواقفها واستئناف النقاش.

 

كذلك يرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي أن اتفاقية عنتيبي لا تلزم مصر والسودان لأنهما لم تنضما إليها لكنه وصف اكتمال التصديقات بأنه مؤشر على أزمة سياسية بين دولتي المصب وعدد من دول المنبع مؤكدا أن الخلاف يتعلق خصوصا بإقامة المشروعات من دون توافق أو إخطار مسبق.

 

ومع ذلك حاولت الرئاسة تقديم سد جوليوس نيريري باعتباره قاعدة لبناء الثقة بعدما أشادت سامية حسن بالمشروع الذي تعاقدت تنزانيا على تنفيذه مع شركتي المقاولون العرب والسويدي للكهرباء في ديسمبر 2018 ويضم محطة كهرومائية بقدرة 2115 ميغاوات وشارك وزير الخارجية السابق سامح شكري في تدشين ملء بحيرته عام 2022.

 

وأخيرا تمثل زيارة السيسي الثانية إلى تنزانيا منذ توليه السلطة بعد زيارة أغسطس 2017 التي كانت الأولى لرئيس مصري منذ عام 1968 محاولة متأخرة لاستعادة حضور القاهرة في شرق أفريقيا لكن تحويل الزيارة إلى إنجاز يتطلب عقودا منشورة وجداول تنفيذ وضمانات مائية وتجارية بعدما أثبتت السنوات الماضية أن كثرة المذكرات لم تمنع تراجع التجارة أو تمرير اتفاقية عنتيبي.