محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
لا أحد يتكلّم في مصر. الكلمة معناها السجن، والرأي معناه السجن، وكذلك الاعتراض والنصيحة والإشارة. حتّى الكلام المتخصّص جدًّا جدًّا من أصحاب التخصّص في المسائل الدقيقة والمعقّدة، التي لا يفهمها كلّ أحد، ولا تحريض فيها من أيّ نوع، معناه السجن. ولذلك، لم يعد السجن يقتصر على النشطاء والصحافيين والمدوّنين والمعارضين السياسيين، بل طاول أساتذة اقتصاد سمحوا لأنفسهم بالكلام في مشكلات الاقتصاد، وأطبّاء سمحوا لأنفسهم بالكلام في مشكلات القطاع الصحّي، وهلمّ جرًّا.
ولا يعرف المصريون منصّةً للتعبير عن آرائهم، والحال كذلك، سوى السخرية. والسخرية في تاريخنا ليست وسيلةً فحسب، بل نتيجة تحوّلت إلى وسيلة، ووسيلة تحوّلت إلى هدف، وهدف تحوّل إلى وثيقة. ثمّة تاريخ من النكات لم يفلت منه أحد، اشتكى منه جمال عبد الناصر بعد الهزيمة، ونال منه أنور السادات ما نال، من نكات ورسومات كاريكاتيرية على الحيطان، وأشعار، وأغان، وكذلك حسني مبارك. أمّا "الإخوان المسلمين"، فعلى الرغم من أنّهم لم يحكموا حقيقةً، فإنّ سلطتهم الدينية على المجتمع، التي تجلّت في خطاباتهم وخطابات داعميهم، كانت كافيةً لإدخالهم في مفرمة السخرية المصرية، من برامج السخرية السياسية إلى بوستات و"كوميكسات" المصريين في مواقع التواصل الاجتماعي.
كانت السخرية في عهود الرؤساء الأربعة السابقين، إذا استثنينا محمّد نجيب، هامشًا تسمح به السلطة، أو مفروضًا عليها بحكم السياق. أمّا اليوم فقد تحوّلت، من دون أدنى مبالغة، إلى متْن، إلى أخبار يومية، إلى روتين. صارت السخرية الأصل، ولم يعد بمقدورنا تمرير خطاب واحد، أو قرار واحد، أو بوست واحد للرئيس أو لمعاونيه، من دون أن تكون السخرية ردّة الفعل المتوقّعة، والوسيلة الأبرز، وأحيانًا الوحيدة، للنقد والتحليل. يحدث هذا رغم انعدام الهامش الذي كان مسموحًا به في العهود السابقة، وتجريم كلّ محاولة لاستدعائه، وسجن كلّ كلمة خارج النشرات الداخلية للقوّات المسلّحة الحاكمة. فلماذا؟
يتجاوز الأمر محاولات المصريين الالتفاف على قمع السلطة حتّى لا ينفجروا، كما أنّه لا يمكن تبرير السخرية من الرئيس ورجاله بالتبرير الرسمي المعتمد أنّ "الإخوان" هم من فعلوها، فقد كانت (وما زالت) تهمتهم الأساسية أنّهم لا يتميّزون بخفّة الظلّ، وثمّة تحليلات سياسية واجتماعية ونفسية وتربوية لأسباب ذلك. لدينا نشاط جماهيري يومي من السخرية السياسية، لا يمكن نقله إلى مدينة العلمين، ولا أرى سببًا له سوى أنّ كلّ شيء في خطابات السلطة وممارساتها يدعو إلى السخرية، ابتداءً من الخطابات التي تفسّر كلّ الإخفاقات بعفريت "2011"، مرورًا بالحديث عن إنجازات ومعجزات وأرقام غير مسبوقة وغير موجودة، وصولًا إلى سجّادة الرئيس التي لا يسمح لأحد بأن يدوس عليها إلا بإذن منه، وعلى من فُرض عليه مصافحة الرئيس أن يقف عند "سدرة منتهى الشراشيب".
هذه الواقعة مثلًا تلخّص ما نريد قوله هنا، أنّ لا أحد يصنع مادّةً للسخرية من السلطة في مصر أكثر من السلطة نفسها. عاد لاعبو المنتخب من كأس العالم، فاختارت السلطة، بدل استقبالهم في القاهرة، نقل الاحتفال إلى مدينة العلمين، وسط جماهير "إيجيبت" المُصنَّعة، ثمّ حملتهم فوق حافلة مفتوحة تحت شمس يوليو، وأوقفتهم أمام سجادة الرئيس عند نقطة لا يتجاوزها أحد في أثناء المصافحة. لماذا؟ لا أحد يعلم. كان اللاعبون يصافحون مبارك وغيره كما يتصافح الرجال، لكنّ عبد الفتاح السيسي مختلف. فهل ثمّة شيء في هذا كلّه لا يدعو إلى السخرية؟
كانت النتيجة أن استدعى المصريون أغنيةً دعائيةً لمصنع لانشون اسمه "صلاح وعبد الفتّاح"، ووضعوها على مشهد مصافحة محمّد صلاح الرئيس. وكأنّ صلاح والسيسي يقفان بين قوسَين: اللحوم المُصنَّعة في الأغنية، والجماهير المُصنَّعة في العلمين. هذا مشهد صُمّم بعناية لينتهي بنكتة. فمن صنعه؟
ليست السخرية هنا شرًّا، ولا مؤامرةً كونيةً على الدولة، ولا حتّى وسيلةَ معارضةٍ يصعب حصارها، بل هي ردّة فعل مساوية في المقدار ومضادّة في الاتجاه لكلّ ما تفعله هذه السلطة المسخرة.

