كشفت روايات أهالي طوسون وفريق دفاعهم عن ضغوط تستهدف عشرات المنازل والأراضي وعدداً من دور العبادة في المنطقة بالإسكندرية، رغم استمرار الدعوى أمام القضاء الإداري، ما دفع عدداً محدوداً للبيع وتمسك الأغلبية بالبقاء.
وسياسياً وإنسانياً، تعيد الأزمة إنتاج نهج سلطة ما بعد 3 يوليو في التعامل مع الأرض والسكان، حيث تتحول المناطق عالية القيمة إلى غنائم استثمارية، ويصبح المواطن عقبة ينبغي إخضاعها أو إزاحتها بالقوة.
ضغوط قبل الحكم
وفي البداية، ظهرت محاولات فرض الأمر الواقع بعدما اتخذت شركة برودكشن للمقاولات من المنطقة مقراً لأنشطتها، وبدأ أفراد تابعون لها التواصل مع السكان ودفعهم إلى بيع منازلهم قبل حسم النزاع القضائي.
وبحسب الأهالي، لم تقتصر التحركات على تقديم عروض شراء، بل صاحبتها ضغوط نفسية ورسائل ترهيب توحي بأن جهات سيادية تدير الملف، وأن البيع هو الطريق الوحيد لتجنب الإخلاء القسري لاحقاً.
ومن جهة أخرى، لا تزال الدعوى المقامة أمام القضاء الإداري منظورة، بعد أن قررت المحكمة ندب لجنة ثلاثية من الخبراء الهندسيين لفحص النزاع المتعلق بنزع ملكية المنازل والأراضي وبعض دور العبادة.
كما أن استمرار التحركات الميدانية بالتزامن مع نظر القضية يطرح شبهة واضحة بشأن محاولة تجاوز المحكمة، وخلق واقع يصعب التراجع عنه، بما يفرغ المسار القضائي من مضمونه العملي ويحاصر السكان قبل صدور الحكم.
وفي المقابل، أدى الضغط المتواصل إلى بيع عدد محدود من الأهالي لوحداتهم، بينما بقيت الكتلة الأكبر متمسكة بحقها في السكن، ورافضة تحويل حاجتها إلى الأمان إلى وسيلة ابتزاز مالي وإداري.
غير أن أخطر ما يواجه السكان هو نقل الصراع من قاعة المحكمة إلى الشارع، عبر حضور الشركة وأفرادها واتصالاتهم المباشرة، بما يمنح الانطباع بأن النتيجة محسومة وأن القانون مجرد إجراء شكلي.
وإلى جانب ذلك، تحدث الأهالي عن هدم وإتلاف داخل بعض الوحدات التي اشترتها الشركة، ما تسبب في أضرار لحقت بعقارات مجاورة، وخلق شعوراً بأن تدهور المكان يستخدم لدفع الباقين إلى المغادرة.
ومع استمرار الأزمة، ظهرت شكاوى من تعطيل بعض المرافق والخدمات، وهي وقائع إن صحت تكشف استخدام الاحتياجات الأساسية أداة للضغط، وتستوجب تحقيقاً عاجلاً ومستقلاً يحدد المسؤوليات ويحمي السكان من العقاب الجماعي.
المدينة تتحول إلى سلعة
وفي الوقت نفسه، يؤكد تمسك الأهالي بمنازلهم أنهم لا يرفضون التطوير من حيث المبدأ، بل يرفضون تنمية تفرض عليهم الرحيل، وتتعامل مع وجودهم التاريخي باعتباره عائقاً أمام المستثمرين وأصحاب النفوذ.
وبناء على ذلك، تصبح قضية طوسون اختباراً مباشراً لسيادة القانون، لأن انتظار حكم المحكمة يجب أن يسبق أي تصرف، بينما يعني فرض البيع مسبقاً إلغاء عملياً لحق السكان في التقاضي والدفاع عن ممتلكاتهم.
لذلك، فإن أي تدخل تنفيذي أو تجاري قبل الفصل القضائي يضع الدولة في مواجهة التزاماتها الدستورية، ويحول حق السكن من ضمانة عامة إلى امتياز هش يتوقف على قيمة الأرض ورغبة المستثمر.
ومن ثم، يعيد المشهد إلى الذاكرة ما جرى في شمال سيناء ومثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق والمنيل القديمة، حيث ارتبطت مشروعات إعادة التخطيط بتهجير السكان وإعادة توظيف المواقع لصالح استثمارات مرتفعة القيمة.
علاوة على ذلك، يكشف تشابه الحالات أن المسألة لا تتعلق بمخالفة محلية أو نزاع عقاري محدود، بل بسياسة أوسع تعتبر الأرض أصلاً مالياً، وتتعامل مع السكان بوصفهم تكلفة ينبغي تقليصها.
وفي سياق أوسع، يمثل التهجير القسري انتهاكاً للحق في السكن الآمن، وهو حق تعترف به القوانين والأعراف ويكفله الدستور، ولا يجوز مصادرته لمجرد أن المنطقة أصبحت مطلوبة استثمارياً تحت أي ذريعة.
وعلى الجانب الآخر، نجح أهالي طوسون قبل سنوات في إسقاط قرارات إزالة مساكنهم أمام القضاء، وهو تاريخ يمنح معركتهم الحالية بعداً إضافياً، ويثبت أن الصمود القانوني والشعبي يمكنه وقف قرارات الإخلاء.
كذلك، لا يدافع السكان اليوم عن جدران منازلهم فقط، بل عن حقهم في المشاركة بتقرير مصير حيهم، وعن مبدأ أن التنمية الحقيقية تبدأ من حماية المجتمع لا اقتلاعه أو تهميشه.
وفوق ذلك، تكشف الأزمة خللاً في معنى التخطيط العمراني، حين يقتصر على تعظيم العائد من الأرض، ويتجاهل الروابط الاجتماعية وذاكرة المكان ومصالح العائلات التي بنت حياتها عبر أجيال داخل المنطقة.
وبالمثل، فإن تحويل السكن إلى سلعة خالصة يدفع الطبقات الشعبية خارج المدن، ويعيد تشكيلها لصالح القادرين على الدفع، بينما ينتقل الفقراء إلى أطراف أبعد تفتقر إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل.
جبهة للدفاع عن السكن
وفي مواجهة ذلك، دعت أصوات سياسية وحقوقية إلى تشكيل لجنة تضامن مع أهالي طوسون، تتولى دعمهم قانونياً وإعلامياً، وتراقب الانتهاكات المحتملة، وتمنع عزل قضيتهم عن الرأي العام في هذه اللحظة العاجلة.
ومن الناحية الحقوقية، ينبغي أن تضم اللجنة ممثلين عن السكان ومحامين وخبراء تخطيط ومنظمات مستقلة، لضمان توثيق الضغوط وأعمال الهدم وتعطيل المرافق، ومطالبة الجهات الرسمية بإعلان موقفها بوضوح أمام الرأي العام.
أما سياسياً، فربط معركة طوسون بنضالات أهالي الوراق والمنيل القديم ومستأجري العقارات القديمة يكشف وحدة الأزمة، ويمنح المتضررين قدرة أكبر على مواجهة سياسات الإخلاء وإعادة توزيع المدينة على المستوى الوطني.
ونتيجة لذلك، يصبح التضامن بين هذه المناطق ضرورة عملية لا شعاراً، لأن كل حالة منفردة يسهل حصارها، بينما يفرض توحيد المطالب رقابة أوسع ويحول الحق في السكن إلى قضية عامة.
وعلى هذا الأساس، تتمثل المطالب العاجلة في وقف أي ضغوط للبيع، ومنع الهدم أو الإضرار بالمرافق، وانتظار حكم القضاء، وفتح تحقيق مستقل في ادعاءات الترهيب ونسب الملف إلى جهات سيادية.
وأخيراً، تحتاج التنمية العادلة إلى تفاوض شفاف وتعويضات منصفة وخيارات حقيقية للبقاء، لا إلى إنذارات مبطنة وفرض أمر واقع، لأن استقرار الناس ليس عقبة أمام العمران بل شرطاً لشرعيته الاجتماعية.
وفي المحصلة، تقف طوسون اليوم أمام معركة تتجاوز حدود الإسكندرية، إذ تختبر قدرة المواطنين على حماية منازلهم في مواجهة الاستثمار القسري، وتختبر أيضاً ما إذا كان القضاء سيبقى الحاجز الأخير أمام التهجير.

