كشف البنك المركزي المصري عن ارتفاع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 14.3% خلال يونيو 2026 مقابل 13.8% في مايو، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط السعرية الأساسية داخل الاقتصاد، رغم إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تباطؤ معدل التضخم العام في المدن إلى 14.3% مقارنة بـ14.6% في الشهر السابق. ويبرز التباين بين المؤشرين طبيعة الضغوط التي لا تزال تواجه الاقتصاد المصري، وسط استمرار تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات، وتوقعات بعودة موجة تضخمية جديدة خلال الأشهر المقبلة.
التضخم الأساسي يرتفع رغم تباطؤ الأسعار في المدن
أعلن البنك المركزي المصري، الخميس، أن معدل التضخم الأساسي سجل 0.3% على أساس شهري خلال يونيو 2026، مقارنة بانكماش بلغ 0.2% في يونيو 2025، بينما كان قد سجل 1.6% في مايو الماضي. كما ارتفع المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 14.3% مقابل 13.8% في مايو، بما يعكس استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالطلب وتكاليف الإنتاج، بعيدًا عن تأثيرات السلع الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة.
في المقابل، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين في المدن بنسبة 0.4% على أساس شهري خلال يونيو، مقارنة بانخفاض بلغ 0.1% في الشهر نفسه من العام الماضي، فيما سجل التضخم السنوي العام 14.3% مقابل 14.6% في مايو، ليسجل بذلك الشهر الثالث على التوالي من التباطؤ السنوي.
ويرى اقتصاديون أن اختلاف حركة التضخم الأساسي عن التضخم العام يعكس استمرار الضغوط في مكونات الأسعار الأساسية التي يعتمد عليها البنك المركزي في رسم السياسة النقدية، بينما استفاد التضخم العام مؤقتًا من تراجع أسعار بعض السلع الغذائية، وهو ما خفف من وتيرة ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين.
تراجع أسعار الغذاء يخفف الضغوط مؤقتًا
أرجع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تباطؤ التضخم خلال يونيو إلى انخفاض أسعار مجموعة الأغذية والمشروبات بنسبة 3.2% على أساس شهري، مدفوعة بتراجع أسعار الخضراوات بنسبة 12.1%، واللحوم والدواجن بنسبة 5.2%، إضافة إلى انخفاض أسعار الألبان والجبن والبيض بنحو 2%.
ويشير محللون إلى أن هذه التراجعات لعبت الدور الأكبر في كبح معدل التضخم العام، إلا أنها لا تعني انتهاء الضغوط التضخمية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات الأساسية، والتي تؤثر بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ثم تنعكس لاحقًا على أسعار السلع والخدمات المختلفة.
كما أسهم ما يعرف بـ"أثر سنة الأساس" في خفض المعدل السنوي، إذ تتم مقارنة الأسعار الحالية بمستويات مرتفعة كانت قد سجلت قبل عام، عندما شهدت مصر زيادات كبيرة في أسعار الوقود وعدد من السلع والخدمات، ما جعل معدلات التضخم الحالية تبدو أقل نسبيًا على أساس المقارنة السنوية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار انخفاض أسعار الغذاء وحده لا يكفي لضمان استقرار التضخم خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الضغوط الخارجية وارتفعت تكاليف الاستيراد والطاقة، وهو ما قد يعيد موجة ارتفاع الأسعار تدريجيًا خلال النصف الثاني من العام.
توقعات بعودة الضغوط التضخمية واستمرار التشدد النقدي
رغم التراجع النسبي في التضخم العام، لا تزال المؤسسات المالية الدولية تتوقع عودة الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة. فقد رفع البنك المركزي المصري في تقرير السياسة النقدية الصادر في مايو الماضي توقعاته لمتوسط التضخم السنوي إلى نحو 17% خلال عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 11%، مرجعًا ذلك إلى تداعيات التطورات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة.
كما توقع بنك باركليز أن يتجاوز معدل التضخم السنوي 19% خلال الربع الثالث من العام نتيجة تلاشي أثر سنة الأساس واستمرار الضغوط السعرية، وهو ما دفع البنك إلى تأجيل توقعاته لبدء دورة خفض أسعار الفائدة من الربع الرابع من 2026 إلى الربع الأول من 2027.
وتأتي هذه التوقعات في ظل استمرار الحكومة المصرية في تنفيذ زيادات بأسعار الوقود والغاز الطبيعي وخدمات الاتصالات خلال الأشهر الماضية، حيث تراوحت زيادات الوقود والغاز بين 14% و30%، بينما ارتفعت أسعار بعض خدمات الاتصالات بنحو 15%، إضافة إلى زيادة أسعار الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
من جانبه، أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأخير للجنة السياسة النقدية، مؤكدًا أن المخاطر الصعودية المحيطة بالتضخم لا تزال قائمة محليًا وعالميًا، وأن استقرار الأسعار سيظل أولوية خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط معدل التضخم في مصر 13.2% خلال عام 2026، وهو أعلى معدل متوقع بين الدول العربية، بما يعكس استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل التقلبات الإقليمية والعالمية، وارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد.
وبينما يمنح تباطؤ التضخم العام بعض الارتياح للأسواق، فإن ارتفاع التضخم الأساسي واستمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة والخدمات يشيران إلى أن معركة احتواء التضخم لم تنته بعد، وأن السياسة النقدية ستظل حذرة خلال الفترة المقبلة انتظارًا لانحسار العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع بصورة مستمرة.

