أعلنت حركة حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية التي تدير شئون قطاع غزة، واستقالة رئيسها محمد عبد الخالق الفرا، مع استكمال الترتيبات الإدارية والقانونية لتسليم المهام إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة علي شعث، في خطوة تعد الأكثر وضوحا منذ بدء الحديث عن تنحي الحركة عن الحكم، وتضع الوسطاء والاحتلال أمام اختبار الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض.
حل الإدارة وسحب الذرائع من الاحتلال
لم تقدم حماس خطوتها باعتبارها انسحابا اضطراريا من إدارة القطاع، بل باعتبارها استجابة عملية للتفاهمات التي جرت خلال جولات التفاوض، ومحاولة لسحب الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير تعطيل المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، خصوصا مع استمرار الخلاف حول من يتولى الحكم وكيف تدخل اللجنة الجديدة إلى غزة ومن يوفر لها القدرة الفعلية على العمل.
وبحسب ما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع، فقد جرى حل لجنة الطوارئ الحكومية، بالتزامن مع تقديم رئيس لجنة المتابعة الحكومية بالإنابة محمد عبد الخالق الفرا استقالته رسميا، في إطار ما وصف بأنه تسهيل لعملية الانتقال الإداري وتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية الجديدة.
وأكدت الجهات الحكومية في غزة أن الترتيبات القانونية والإدارية الخاصة بالتسليم اكتملت، وأنها عُرضت على ممثلي الفصائل والقوى الفلسطينية والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني، بحضور مراقب عن الأمم المتحدة، في محاولة لمنح عملية الانتقال غطاء فلسطينيا أوسع وتقديمها باعتبارها مسارا وطنيا لا مجرد تفاهم ثنائي بين حماس والوسطاء.
وفي المقابل، لن يغادر الموظفون الفنيون والمهنيون مواقعهم، إذ تقرر استمرارهم في العمل لمنع حدوث فراغ إداري أو انهيار في الخدمات الأساسية داخل القطاع، مع تأكيد استعدادهم للعمل تحت إدارة اللجنة الوطنية الجديدة والالتزام بقراراتها فور بدء مهامها، وهو ما يعني أن التغيير يستهدف رأس الإدارة السياسية أكثر مما يستهدف تفكيك الجهاز الخدمي القائم.
وتحاول حماس من خلال هذه الخطوة إغلاق الباب أمام اتهامها بأنها تتمسك بحكم غزة أو تعرقل ترتيبات اليوم التالي، بعدما أكدت طوال الأشهر الماضية استعدادها للتنحي عن الإدارة المدنية وتسليم شئون القطاع إلى لجنة من المستقلين وأصحاب الكفاءات، بشرط تنفيذ بقية التفاهمات وعدم تحويل تسليم الحكم إلى غطاء لفرض شروط إسرائيلية منفردة.
وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن ما جرى يمثل خطوة إيجابية جديدة لسحب الذرائع من الاحتلال وتهيئة الأجواء لدخول لجنة التكنوقراط، مشددا على أن الحركة نفذت ما هو مطلوب منها، وأن الكرة أصبحت الآن في ملعب الوسطاء والدول الضامنة والإدارة الأمريكية للضغط من أجل استكمال تنفيذ الاتفاق.
وبهذه اللغة، تحاول حماس نقل عبء التعطيل إلى الأطراف الأخرى، فهي تقول عمليا إنها اتخذت الخطوة التي طال انتظارها بشأن الحكم المدني، وإن بقاء اللجنة خارج غزة بعد الآن لن يكون نتيجة رفض من الحركة، بل نتيجة عجز الوسطاء عن فرض التفاهمات أو استمرار إسرائيل في منع الانتقال الإداري المتفق عليه.
اللجنة الجديدة جاهزة لكن الطريق إلى غزة لم يفتح بعد
رحب رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث بالإعلان، مؤكدا أن اللجنة جاهزة لتحمل مسئولياتها الوطنية فور توفير الإمكانيات والممكنات اللازمة لعملها، وهي عبارة تكشف أن المشكلة لم تعد فقط في إعلان حماس التنحي، بل في الشروط السياسية والميدانية التي تسمح للجنة بالعمل داخل قطاع مدمر ومحاصر وتتنازع أطراف عديدة على مستقبل إدارته.
وشدد شعث على أن نجاح اللجنة يتطلب وجود سلطة واحدة وقانون واحد بمرجعية واضحة وسلاح واحد خاضع لهذه السلطة، وهو المبدأ نفسه الذي يطرحه مجلس السلام باعتباره أساسا للمرحلة الجديدة، لكنه يفتح مباشرة واحدا من أعقد الملفات: مصير سلاح حماس والفصائل وترتيبات الأمن ومستقبل القوات الإسرائيلية داخل القطاع.
فحل اللجنة الحكومية لا يعني تلقائيا أن ملف الحكم حُسم بالكامل، لأن اللجنة الوطنية تحتاج إلى دخول القطاع ومقار إدارية وتمويل وموظفين وصلاحيات فعلية وقدرة على تنفيذ قراراتها، كما تحتاج إلى تفاهم واضح حول الأجهزة الأمنية والمعابر والإعمار والرقابة على المساعدات والعلاقة مع القوى الفلسطينية الموجودة على الأرض.
ولهذا تبدو الخطوة الحالية بمثابة إزالة لعقبة رئيسية من أمام الانتقال، لكنها لا تمثل نهاية الطريق، إذ ما زالت إسرائيل مطالبة بالسماح للجنة بالدخول وممارسة مهامها، بينما لا تزال الخلافات الأوسع بشأن الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح والترتيبات الأمنية تحول دون تحويل التفاهمات إلى واقع مستقر.
وتكمن أهمية اللجنة في أنها يفترض أن تقدم صيغة حكم مدني فلسطيني لا تقوده حماس ولا يتولاه الاحتلال، وهو حل تحاول الأطراف الوسيطة تقديمه باعتباره جسرا بين وقف الحرب وإعادة بناء المؤسسات، مع تفادي فرض إدارة أجنبية مباشرة أو ترك القطاع في فراغ سياسي وأمني قد يفجر جولات جديدة من الفوضى والصراع.
لكن اللجنة ستدخل، إن سُمح لها بذلك، إلى قطاع دمرت الحرب جزءا كبيرا من بنيته التحتية ومؤسساته ومساكنه، ويحتاج إلى إدارة يومية للخدمات والإغاثة والإعمار، في وقت ما تزال فيه الموارد محدودة والاحتياجات هائلة، ما يجعل نجاحها مرتبطا بالدعم السياسي والمالي بقدر ارتباطه بقرار حماس التخلي عن الإدارة.
كما أن بقاء الكوادر الفنية والمهنية في مواقعها يمثل اعترافا ضمنيا بأن أي إدارة جديدة لا تستطيع البدء من الصفر، وأن الجهاز الإداري الموجود، رغم ارتباطه لسنوات بسلطة حماس، سيظل ضروريا لتشغيل البلديات والمستشفيات والخدمات ومرافق الحياة، وهو ما يفرض صيغة انتقال تدريجية لا عملية إحلال شاملة وفورية.
ما بعد حكم حماس يصطدم بالسلاح والاحتلال والضمانات
سياسيا، تمثل الخطوة تحولا لافتا في مسار حكم غزة منذ سيطرة حماس على القطاع عام 2007، فالحركة التي ظلت طوال سنوات صاحبة القرار الإداري والأمني تعلن الآن حل الإطار الحكومي القائم، وتوافق على انتقال الإدارة إلى لجنة مستقلة، تحت ضغط الحرب والدمار والتحولات الإقليمية والدولية.
غير أن وصف القرار بأنه نهاية كاملة لحكم حماس قد يكون سابقا لأوانه، لأن نفوذ الحركة داخل القطاع لا يختصر في اللجنة الحكومية وحدها، كما أن مستقبلها السياسي والعسكري لم يحسم بعد، ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الانتقال الإداري سيفتح الباب أمام تسوية أوسع أم سيتوقف عند تغيير واجهة الحكم المدني.
وتربط الأطراف الدولية نجاح اللجنة بمبدأ السلاح الواحد، بينما تربط حماس والفصائل ملف السلاح بإنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي والضمانات السياسية، وهنا تظهر العقدة التي قد تعطل المرحلة التالية، إذ يمكن تسليم الوزارات والمكاتب أسرع بكثير من التوصل إلى اتفاق حول القوة المسلحة ومستقبل المقاومة والأمن.
وفي الوقت نفسه، تظل إسرائيل طرفا قادرا على تعطيل عمل اللجنة حتى بعد حل إدارة حماس، سواء بمنع أعضائها من دخول القطاع أو تقييد حركتهم أو ربط عملهم بشروط أمنية إضافية، وهو ما يفسر إصرار حماس على القول إن مسئولية المرحلة المقبلة تقع على الوسطاء والضامنين.
أما القاهرة، التي استضافت جولات من الحوار بين حماس وفصائل فلسطينية ووسطاء إقليميين، فتجد نفسها أمام اختبار تحويل التوافقات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، خصوصا أن نجاح اللجنة يحتاج إلى قبول فلسطيني واسع وتفاهم مع الوسطاء وضغط فعلي على إسرائيل لمنع إفشال التجربة قبل بدايتها.
وبذلك، لا يمكن قراءة حل لجنة الطوارئ الحكومية كإجراء إداري عابر، بل كخطوة سياسية هدفها إعادة ترتيب المشهد بعد الحرب، وإثبات استعداد حماس للتراجع عن الحكم المباشر، مع الاحتفاظ بموقفها من القضايا الأثقل، وفي مقدمتها السلاح والانسحاب الإسرائيلي والضمانات المتعلقة بمستقبل القطاع.
الآن، انتقلت المعركة من سؤال ما إذا كانت حماس ستترك إدارة غزة إلى سؤال ما إذا كان الآخرون سيسمحون فعلا بقيام إدارة فلسطينية جديدة، فالحركة أعلنت حل لجنتها، والموظفون مستعدون للعمل تحت السلطة الجديدة، وعلي شعث يعلن الجاهزية، لكن اللجنة لا تزال بحاجة إلى طريق مفتوح نحو غزة وصلاحيات لا تبقى حبرا على الورق.
ومن هنا، تصبح الأيام المقبلة اختبارا لمدى جدية الوسطاء والولايات المتحدة وإسرائيل في تنفيذ ما جرى التوافق عليه، لأن بقاء اللجنة خارج القطاع بعد حل الإدارة القائمة سيكشف أن أزمة غزة لم تكن في من يدير المكاتب الحكومية فقط، بل في الصراع الأعمق على من يملك القرار والسيادة والقوة.
لقد قدمت حماس، على الأقل في ملف الإدارة المدنية، خطوة كان خصومها يطالبون بها منذ سنوات، ولذلك فإن فشل المرحلة التالية لن يكون من السهل تفسيره بالعودة إلى الاتهام نفسه بأن الحركة تتمسك بالحكم، بل سيضع الوسطاء والاحتلال أمام سؤال مباشر: ما الذي يعطل تسليم غزة بعدما أعلنت الإدارة القائمة حل نفسها؟

