تتواصل موجات ارتفاع الأسعار في مصر بوتيرة متسارعة منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا، لتضيف أعباء جديدة على المواطنين الذين يواجهون ضغوطًا معيشية متزايدة عامًا بعد آخر. ومع بداية العام المالي 2026-2027، جاءت قرارات رفع أسعار تذاكر القطارات، بعد زيادات متلاحقة في أسعار الوقود والكهرباء والخبز والمواصلات والاتصالات والعديد من السلع والخدمات، لتؤكد استمرار النهج القائم على تحميل المستهلك جانبًا كبيرًا من كلفة الإصلاحات الاقتصادية.


وتزامنت هذه الزيادات مع تراجع أسعار النفط عالميًا وانخفاض سعر الدولار محليًا، وهي عوامل كان كثيرون يعتقدون أنها قد تنعكس على الأسعار داخل السوق المصرية، إلا أن ذلك لم يحدث بصورة ملموسة. وفي الوقت نفسه، يلفت الانتباه غياب الاحتجاجات الشعبية الواسعة رغم اتساع دائرة الغلاء، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المشهد الحالي، وما إذا كان يعكس قبولًا بالأوضاع القائمة أم أن هناك عوامل أخرى تفسر هذا الهدوء.


زيادات متلاحقة تثقل كاهل المواطنين


مع انطلاق العام المالي الجديد، أقرت الحكومة زيادة أسعار تذاكر القطارات بنسب تراوحت بين 12.5% و25%، لتضاف إلى سلسلة طويلة من الزيادات التي مست مختلف جوانب الحياة اليومية. فقد سبقتها زيادات في أسعار الوقود والكهرباء والخبز والمواصلات، كما ارتفعت أسعار العديد من السلع الغذائية والخدمات، بما في ذلك خدمات الاتصالات، الأمر الذي أدى إلى زيادة مستمرة في تكاليف المعيشة.


وتأتي هذه الزيادات في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من المواطنين من تراجع القدرة الشرائية، حيث لم تشهد مستويات الدخول تحسنًا يتناسب مع الارتفاع المتواصل في الأسعار. وأصبح الإنفاق على الاحتياجات الأساسية يستحوذ على نسبة أكبر من دخول الأسر، بينما تتراجع القدرة على الادخار أو الإنفاق على الاحتياجات غير الأساسية.


وكانت توقعات شريحة من المواطنين تشير إلى إمكانية حدوث انفراجة نسبية في الأسواق مع انخفاض أسعار النفط عالميًا، إضافة إلى تراجع سعر الدولار أمام الجنيه، باعتبار أن هذه العوامل عادة ما تؤثر في تكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج. لكن استمرار موجة رفع أسعار الخدمات والسلع بدد تلك التوقعات، ليبقى المواطن أمام واقع اقتصادي أكثر صعوبة.


ويعكس هذا المشهد استمرار السياسات التي تعتمد على إعادة هيكلة أسعار عدد من الخدمات والسلع، وهو ما يجعل الزيادات السعرية حدثًا متكررًا في الحياة الاقتصادية، ويزيد من الضغوط الواقعة على الأسر، خاصة أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.


لماذا يغيب الاحتجاج رغم اتساع الأزمة؟


رغم اتساع نطاق الغلاء وامتداد تأثيره إلى معظم فئات المجتمع، فإن الشارع المصري لا يشهد احتجاجات جماهيرية واسعة على غرار ما كان يحدث خلال أزمات اقتصادية في فترات سابقة. ويرى مراقبون أن هذا الغياب لا يعكس بالضرورة حالة من الرضا الشعبي عن السياسات الاقتصادية أو عن مستويات الأسعار، وإنما يرتبط بعوامل سياسية وأمنية تراكمت خلال السنوات الماضية.


وبحسب هذا التقدير، فإن المخاوف المرتبطة بالتعامل الأمني مع أي تحركات احتجاجية تمثل أحد أبرز الأسباب التي تحد من خروج المواطنين إلى الشارع للتعبير عن رفضهم للأوضاع الاقتصادية. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما جرى عقب أحداث عام 2013، ولا سيما فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وما أعقب ذلك من حملات أمنية واعتقالات ومحاكمات طالت آلاف الأشخاص، وهو ما أسهم، وفق معارضين ومنظمات حقوقية، في ترسيخ قناعة لدى قطاعات من المواطنين بأن تكلفة الاحتجاج أصبحت مرتفعة مقارنة بإمكانية إحداث تغيير في السياسات العامة.


وفي المقابل، ترفض السلطات المصرية هذه الاتهامات، وتؤكد أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها جاءت في إطار تطبيق القانون والحفاظ على الأمن والاستقرار، بينما تعتبر جماعات حقوقية دولية أن بعض تلك الأحداث شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.


وبين هذين الطرحين، يبقى المشهد خاليًا من الاحتجاجات الواسعة، رغم أن الضغوط الاقتصادية مستمرة، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الأوضاع الاقتصادية والبيئة السياسية والأمنية التي تحكم المجال العام.


لماذا لم تنخفض الأسعار رغم تراجع النفط والدولار؟


اقتصاديًا، كان من المنطقي أن يؤدي انخفاض أسعار النفط عالميًا، إلى جانب تراجع سعر الدولار أمام الجنيه، إلى تخفيف الضغوط التضخمية داخل السوق المصرية، خاصة مع هبوط أسعار عدد من السلع الأساسية في الأسواق الدولية. غير أن هذه المتغيرات لم تنعكس بصورة واضحة على أسعار السلع والخدمات داخل البلاد.


ويرجع خبراء هذا التباين إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، إلى جانب زيادة أعباء خدمة الدين العام، وهي عوامل تضغط على الموازنة العامة وتحد من قدرة الحكومة على تخفيف الأعباء عن المواطنين.

 

كما يشير الخبراء إلى أن استمرار سياسات رفع الدعم عن الطاقة والخدمات العامة أدى إلى انتقال جانب من التكلفة إلى المستهلك النهائي، فضلًا عن ضعف المنافسة في بعض الأسواق، بما يقلل من فرص انتقال انخفاض التكاليف العالمية إلى الأسعار المحلية بصورة مباشرة.


ويضاف إلى ذلك التزامات الحكومة ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، والتي تشمل إعادة هيكلة أسعار الطاقة والخدمات العامة، وهو ما يجعل اتجاه السياسات الاقتصادية قائمًا على تقليص الدعم وزيادة الاعتماد على التسعير وفق التكلفة الفعلية، حتى في ظل تحسن بعض المؤشرات الخارجية.


وفي ظل هذه العوامل، تبدو الأسواق المحلية أقل تأثرًا بانخفاض أسعار النفط أو الدولار مقارنة بتأثرها بعوامل داخلية مرتبطة بالسياسات المالية والاقتصادية، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع الأسعار رغم تغير بعض المؤشرات العالمية.


وفي المحصلة، تقف مصر أمام معادلة معقدة تجمع بين استمرار موجات الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الاحتجاجات الشعبية الواسعة. وبينما تتواصل إجراءات الإصلاح الاقتصادي وفق المسار الذي تتبناه الحكومة، يواجه المواطنون ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة دون تحسن موازٍ في مستويات الدخل، الأمر الذي يبقي الضغوط الاقتصادية قائمة ويجعل فرص الانفراجة القريبة، وفق المعطيات الحالية الواردة في هذا التقرير، محدودة.