تواجه المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، اختباراً حاسماً في الساحة الليبية، حيث لم يعد العائق الرئيسي يتمثل في الشرق الليبي، بل انتقل الثقل إلى المنطقة الغربية التي باتت تشكل "عقدة" حقيقية أمام طموحات واشنطن لتوحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام المؤسسي الذي طال أمده، وسط تداخل معقد بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة الفاعلة على الأرض.
الغرب الليبي: تعقيدات التمثيل وغياب الضمانات القابلة للتنفيذ
أقر مسعد بولس في أحدث تصريحاته بأن التحدي الأكبر أمام المبادرة الأمريكية يكمن في الغرب الليبي، حيث لا توجد جهة واحدة تستطيع احتكار التمثيل السياسي أو الأمني، فالعاصمة طرابلس تخضع لشبكة معقدة من المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة والفاعلين المحليين، مما يجعل الوصول إلى توافق أكثر تعقيداً من مجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة، خاصة وأن الاعتراضات الحالية لا ترفض المبادرة من حيث المبدأ، بل ترتبط بكيفية التنفيذ والضمانات المرافقة لها.
ويشير المحلل السياسي أشرف الشح إلى أن "ترتيبات بولس" دخلت مرحلة معقدة بسبب اتساع فجوة الشك داخل معسكر المنطقة الغربية، وتحديداً فيما يتعلق بحدود الصلاحيات التي ستمنح للأطراف المشاركة والضمانات المطروحة لتنفيذ الاتفاق، مما أدى إلى انقسام واضح حتى داخل بيت حكومة الوحدة الوطنية وفي محيط وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، حيث يطالب الغالبية بمشروع يستند إلى آليات واضحة لا على مجرد توزيع السلطة بين شخصيات بعينها قد تثير حساسيات داخلية.
إن السؤال الجوهري الذي يطرحه الفاعلون في الغرب الليبي لا يقتصر على من سيوقع الاتفاق، بل يمتد ليشمل من سيحصل على الصلاحيات الفعلية، وكيف يمكن ضمان عدم تحول المبادرة إلى مجرد إعادة تدوير لمراكز النفوذ القائمة، وهو ما يفسر تعثر محاولات الضغط الأمريكي حتى الآن في تحقيق نتائج ملموسة، حيث لا تزال القوى الميدانية تطالب باستبعاد الأسماء التي تحيط بها شبهات أو تفتقر للقبول الواسع، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء مشروع وطني متكامل بضمانات دولية ومحلية أكيدة.
المسار الأمني: عبد السلام الزوبي وصدام حفتر كمفاتيح للاستقرار
في تحول استراتيجي لافت، بدأت الإدارة الأمريكية تمنح الملف الأمني أولوية موازية للمسار السياسي، وهو ما تجسد في استقبال واشنطن لوكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، بالتزامن مع لقاءات شملت صدام حفتر، قائد أركان الوحدات الأمنية في الشرق، مما يعكس قناعة أمريكية بأن أي تفاهم سياسي لن يصمد طويلاً ما لم يسبقه أو يواكبه تفاهم أمني متين بين القوى المؤثرة ميدانياً في الشرق والغرب الليبيين.
ولم يكن اختيار الزوبي مرتبطاً بمنصبه الرسمي فحسب، بل بقدرته على التواصل مع المؤسسات العسكرية والقوى الفاعلة في طرابلس، حيث تناولت مشاوراته في واشنطن الضمانات الأمنية اللازمة لمنع انهيار أي اتفاق مستقبلي، وكيفية توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وهو ما يقرأه الخبراء كمحاولة أمريكية لبناء مسار موازٍ يقلص الفجوة بين التطلعات السياسية والواقع الأمني المعقد الذي أجهض مبادرات سابقة بسبب غياب التنسيق العسكري.
هذه المقاربة الأمنية تهدف إلى توفير "الحد الأدنى" من الضمانات التي تطالب بها القوى في الغرب الليبي، حيث تسعى واشنطن من خلال إشراك شخصيات عسكرية ذات ثقل ميداني إلى إرساء قواعد اشتباك جديدة تمنع عودة الصراع المسلح عند أول خلاف سياسي، مما يجعل من التفاهمات بين الزوبي وصدام حفتر حجر الزاوية في بناء جسور الثقة المفقودة، وتمهيد الطريق لمسعد بولس للمضي قدماً في خارطة الطريق السياسية المدعومة أممياً.
التباين بين الشرق والغرب: تقدم سياسي مقابل تحفظات ميدانية
بينما تبدو الأمور في الشرق الليبي أكثر وضوحاً من حيث التوافق على الخطوط العريضة للمبادرة، تظل المنطقة الغربية غارقة في تساؤلات حول آليات توزيع السلطة، حيث ترى مصادر سياسية أن المبادرة الأمريكية حققت تقدماً ملحوظاً في التفاهم مع معسكر الشرق، لكنها اصطدمت في الغرب برغبة القوى المسلحة في الحصول على ضمانات بعدم تهميشها في المرحلة القادمة، وهو ما جعل من "عقدة الغرب" التحدي الأبرز الذي قد يعصف بالمبادرة برمتها إذا لم يتم احتواؤه.
التحفظات في الغرب الليبي لا تقتصر على الجوانب السياسية، بل تمتد لتشمل مخاوف من سيطرة طرف واحد على المؤسسات السيادية، مما دفع واشنطن إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لطمأنة الأطراف بأن المبادرة تسير بصورة متكاملة مع خارطة الطريق الأممية ولا تستهدف زعزعة التوازنات القائمة، ومع ذلك، لا يزال الشك يسيطر على المشهد، خاصة مع تداول أسماء لشغل مناصب في السلطة التنفيذية الجديدة لا تحظى بإجماع وطني، مما يزيد من تعقيد مهمة بولس في إقناع "بيت الغرب" بالانخراط الكامل.
وفي ظل هذا التباين، تحاول واشنطن ممارسة ضغوط ناعمة عبر التلويح بفرض عقوبات أو عزل الأطراف المعرقلة، لكن الواقع الميداني في طرابلس ومدن الغرب يفرض إيقاعاً مختلفاً، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ العسكري، مما يجعل أي تسوية سياسية دون "ثمن أمني" مقبول للجميع أمراً صعب المنال، وهو ما يفسر لماذا أصبح الغرب الليبي هو المختبر الحقيقي لمدى جدية وفعالية المبادرة الأمريكية في إنهاء الأزمة الليبية.
الجنوب الليبي والاختبار الأخير: شمولية الحل واستدامة التوافق
أكد مسعد بولس أن أي اتفاق يجب أن يكون شاملاً ويمثل جميع الليبيين، بما في ذلك الجنوب الذي غالباً ما يتم تهميشه في التسويات السياسية الكبرى، حيث تسعى المبادرة الأمريكية إلى ضمان تمثيل جغرافي وسياسي عادل يمنع ظهور بؤر توتر جديدة في مناطق الظل، فالجنوب الليبي بما يمتلكه من موارد طبيعية وموقع استراتيجي يشكل الاختبار الأخير لمدى قدرة المبادرة على تحقيق استقرار مستدام وشامل يتجاوز ثنائية "الشرق والغرب".
إن التحرك الأمريكي باتجاه الجنوب يهدف إلى قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية التي تستغل الفراغ الأمني والسياسي في تلك المناطق، كما يهدف إلى إشراك المكونات الاجتماعية والقبلية في الجنوب ضمن ترتيبات السلطة التنفيذية الجديدة، مما يعزز من شرعية أي حكومة قادمة ويضمن سيطرتها على كامل التراب الوطني، وهو طموح يواجه تحديات لوجستية وأمنية كبيرة في ظل انتشار الجماعات العابرة للحدود وضعف البنية التحتية للدولة في تلك المناطق.
ختاماً، تظل المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا تتأرجح بين التفاؤل الحذر والتعقيدات الميدانية المتزايدة، فبينما تنجح واشنطن في فتح قنوات اتصال أمنية وسياسية رفيعة المستوى، تظل "عقدة الغرب الليبي" والمطالبة بضمانات حقيقية هي العائق الأكبر، مما يفرض على صانع القرار الأمريكي موازنة دقيقة بين الرغبة في التغيير السريع وبين ضرورة بناء توافق وطني متين يضمن عدم عودة ليبيا إلى مربع الصفر بمجرد جفاف حبر التوقيعات.
آفاق المستقبل: هل تنجح واشنطن في فك شفرة الأزمة؟
إن الرهان الأمريكي على المبادرة الحالية يتجاوز مجرد الرغبة في إجراء انتخابات، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة التوازنات الإقليمية والدولية في ليبيا، حيث تسعى واشنطن من خلال "خطة بولس" إلى تقليص النفوذ الأجنبي المناهض لمصالحها وتثبيت سلطة مركزية قوية قادرة على التعامل مع الملفات الاستراتيجية كالهجرة غير الشرعية وتأمين تدفقات الطاقة، وهو ما يجعل من النجاح في ليبيا انتصاراً دبلوماسياً كبيراً للإدارة الأمريكية في القارة الأفريقية.
ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال محفوفاً بالمخاطر، فالمعارضة التي تبديها بعض القوى في الغرب الليبي ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي تعبير عن مخاوف وجودية تتعلق بمستقبل هذه القوى في ظل نظام سياسي جديد قد لا يضمن مصالحها، ولذلك فإن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الضمانات الأمنية التي نوقشت في واشنطن كافية لكسر الجمود، أم أن "عقدة الغرب" ستظل عصية على الحل، مما قد يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن بدائل أخرى خارج إطار المبادرة الأمريكية الحالية.
إن الاستقرار في ليبيا يتطلب أكثر من مجرد توافق على الأسماء؛ إنه يتطلب بناء مؤسسات وطنية تتجاوز الانتماءات الجهوية والقبلية، وهو التحدي الذي فشلت فيه المبادرات السابقة، فهل تنجح المبادرة الأمريكية فيما أخفق فيه الآخرون؟ الإجابة تكمن في مدى قدرة واشنطن على تحويل الوعود إلى واقع ملموس يشعر به المواطن الليبي، وفي مدى استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات مؤلمة من أجل إنقاذ ما تبقى من وحدة البلاد وسيادتها.

