افتتح قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المعروف باسم الأوكتاغون في قلب العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، ليظهر مجمع ضخم يقوم تصميمه على 8 مبان رئيسية مرتبطة بمركز قيادة واحد، ضمن منظومة هندسية وتكنولوجية تهدف إلى حماية الجنرال من أي غضب أو شرارة للثورة ضده على غرار ما حدث في ثورة 25 يناير .
فالمقر الذي يقدم رسميا باعتباره مركزا متطورا للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، جاء مصحوبا بتفسير سياسي مباشر من السيسي نفسه، حين استعاد مشاهد حصار مؤسسات الدولة بعد 2011، وتحدث عن إدارة القرار تحت الضغط والخوف، مؤكدا أن الانتقال إلى العاصمة الجديدة استهدف منع تكرار تلك الوقائع مرة أخرى.
ومن هنا، لا تبدو قصة الأوكتاغون مجرد حكاية عن 8 مبان ضخمة ترتبط بمركز قيادة واحد، بل عن إعادة تصميم مكان السلطة نفسها، ونقل مركز القرار من قلب القاهرة المكتظة إلى نطاق جديد شديد التحصين، قادر على العمل والاستمرار بعيدا عن ضغط الشارع.
8 مبان تحاصر غرفة القرار
يقوم التصميم الأساسي للأوكتاغون على 8 مبان رئيسية موزعة حول مركز قيادة مركزي، وتتصل جميعها بممرات داخلية وشبكات إلكترونية وأنظمة اتصال، بما يسمح بتجميع المعلومات القادمة من الجهات المختلفة داخل نقطة واحدة يفترض أن تملك الصورة الكاملة.
ويحمل المجمع اسمه من شكله المثمن، لكن أهمية التصميم تتجاوز الشكل الهندسي، لأن توزيع المباني حول مركز واحد يعكس فلسفة تقوم على تركيز المعلومات والسلطة والقرار في قلب محصن، بينما تتحول الأجزاء الأخرى إلى روافد تغذي المركز بالبيانات.
وفي هذا النموذج، لا تتنقل المعلومات بالطريقة التقليدية بين مقرات متباعدة وإدارات منفصلة، بل تصل بصورة لحظية إلى مركز القيادة، حيث توجد غرف العمليات ومراكز البيانات وأنظمة التحليل والاتصال، لتصبح عملية اتخاذ القرار أسرع وأكثر مركزية.
ويضم المجمع منظومات اتصال مشفرة وشبكات ألياف ضوئية عالية السرعة ومراكز قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات، إلى جانب غرف عمليات متقدمة، بما يحول المباني الثمانية من منشآت منفصلة إلى جسد واحد تتحرك معلوماته نحو عقل مركزي.
لكن هذه السرعة ليست الجانب الوحيد اللافت في المشروع، إذ يكشف التصميم أيضا عن رغبة في تقليل اعتماد مركز القرار على المؤسسات والمقار المنتشرة داخل القاهرة، ووضع القيادة داخل منظومة مكتفية بالاتصالات والخدمات والقدرات التشغيلية الخاصة بها.
وبهذا المعنى، تبدو الغرفة المركزية أهم من المباني الثمانية نفسها، لأنها تمثل النقطة التي تنتهي عندها المعلومات وتبدأ منها الأوامر، في نموذج يجعل مركز القرار أكثر تماسكا وقدرة على الاستمرار حتى في اللحظات التي تضطرب فيها البيئة المحيطة.
ولا يمكن فصل هذه الهندسة عن تصريحات السيسي بشأن الخوف والضغط اللذين رافقا إدارة الأزمات بعد 2011، فالرجل الذي استعاد مشاهد محاصرة مجلس الوزراء والمحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامي وتهديد وزارة الدفاع، افتتح لاحقا مركزا يستحيل عزله بسهولة عن شبكاته.
من القاهرة المفتوحة إلى عاصمة الحكم المحصنة
لم يُبن الأوكتاغون في قلب القاهرة القديمة، حيث الشوارع المكتظة ومراكز الاحتجاج التاريخية، بل في العاصمة الإدارية الجديدة شرق المدينة، ضمن نطاق انتقلت إليه تدريجيا مؤسسات حكومية وسيادية ومراكز إدارة بعيدا عن المجال العمراني التقليدي.
ويمنح الموقع الجديد المقر ميزة لا تتعلق فقط بالمساحة، بل بالمسافة أيضا، فالحكم الذي كان يعمل وسط مدينة يسهل فيها تجمع المواطنين، أصبح ينتقل إلى مدينة جديدة ذات طرق واسعة ومداخل منظمة ومؤسسات متجاورة ومساحات يمكن السيطرة عليها أمنيا.
وقد قال السيسي بوضوح إن انتقال الدولة إلى العاصمة الجديدة جاء حتى لا تتكرر مشاهد ما بعد 2011، وهو ما يمنح الموقع معنى يتجاوز التخطيط العمراني، ويجعله جزءا من استجابة سياسية وأمنية لتجربة الاحتجاج الشعبي.
ففي يناير، كانت مؤسسات السلطة موجودة داخل مجال يستطيع المتظاهرون الوصول إليه، وكان ميدان التحرير على مسافة قريبة من مجلس الوزراء والبرلمان ومقار حكومية وسيادية، بينما يعيد النموذج الجديد توزيع السلطة داخل مساحة مختلفة تماما.
ومن هنا، يمثل الأوكتاغون ذروة هذا الانتقال، لأن المبنى لا يستضيف إدارة عادية، بل مركز القيادة الاستراتيجية للدولة، أي المكان الذي يفترض أن تتركز داخله المعلومات وقرارات الأزمات والتنسيق بين المؤسسات في الظروف الاستثنائية.
ويجاور المقر مؤسسات سيادية وإدارية انتقلت بدورها إلى العاصمة الجديدة، بما يصنع مركز حكم متكاملا لا يعتمد على القاهرة القديمة، ويقلل الحاجة إلى إدارة الدولة من مواقع منفصلة يمكن أن تتعرض للضغط أو الحصار أو تعطل الحركة بينها.
وهكذا، تتحول المسافة الجغرافية إلى جزء من عقيدة الحماية، فلا يعود المطلوب فقط تأمين المبنى من الداخل، بل وضعه داخل بيئة عمرانية جديدة تسمح بقدر أكبر من التحكم في الوصول إليه وفي محيطه وفي حركة المؤسسات المرتبطة به.
حصن يمكنه العمل حتى لو تعطلت المدينة
يمتد المجمع، وفق المعلومات المعلنة، على مساحة تقارب 22 ألف فدان، وتتجاوز مساحته البنائية 4.6 مليون متر مربع، موزعة على 13 منطقة رئيسية تضم منشآت قيادية وإدارية ولوجستية وخدمية.
لكن الضخامة وحدها لا تشرح وظيفة المشروع، فالأهم أن الأوكتاغون صُمم ليحافظ على قدرته التشغيلية في الظروف الاستثنائية، عبر مرافق طاقة بديلة وشبكات تبريد وإمدادات مائية مستقلة ومناطق إقامة وخدمات دعم داخلية.
وتعني هذه البنية أن مركز القيادة ليس مضطرا إلى التوقف إذا تعطلت أجزاء من الخدمات الخارجية أو واجهت البلاد أزمة ممتدة، إذ يمكن للمقر مواصلة العمل لفترات طويلة اعتمادا على قدراته الخاصة وشبكاته الداخلية.
كما يضم الأوكتاغون منظومة أمن سيبراني متعددة الطبقات لحماية المعلومات والاتصالات، إلى جانب أنظمة لاسلكية مشفرة ومراكز بيانات، ما يجعل تحصين المقر رقميا موازيا لتحصينه الجغرافي والتشغيلي.
ويضيف وجود منظومات لمحاكاة الأزمات بعدا آخر إلى وظيفة الحصن، إذ يمكن اختبار سيناريوهات أمنية وعسكرية واقتصادية مختلفة، وقياس ردود الفعل المحتملة، قبل نقل التقديرات والخيارات إلى غرفة القرار المركزية.
وبذلك، لا ينتظر المقر وقوع الأزمة حتى يبدأ العمل، بل يقوم جزء من تصميمه على تصور ما يمكن أن يحدث والاستعداد له، وهو أمر يكتسب دلالة سياسية حين يوضع إلى جوار حديث السيسي المتكرر عن تجارب 2011 وخطر تكرارها.
فالمبنى الذي يستطيع الحفاظ على الطاقة والمياه والاتصال والبيانات والإقامة، ويضم قيادة مركزية ومحاكاة للأزمات، يبدو مصمما للعمل عندما تصبح الظروف خارج أسواره أقل استقرارا، لا عندما تسير الدولة بصورة طبيعية فقط.
ومن هذه الزاوية، يصبح الأوكتاغون أقرب إلى مركز بقاء واستمرارية للحكم منه إلى مجرد مقر حديث للقيادة، خاصة أن فلسفته تقوم على ضمان عدم انقطاع الاتصال أو تعطل القرار حتى في أكثر السيناريوهات تعقيدا.
غضب يناير وراء خرسانة الأوكتاغون
كشف السيسي بنفسه عن الحلقة التي تربط المقر الجديد بما جرى بعد ثورة يناير، حين تحدث عن حصار مؤسسات الدولة وإدارة الأزمات تحت الضغط والخوف، مؤكدا أن العاصمة الجديدة جاءت حتى لا يتكرر ذلك مرة أخرى.
وتضع هذه التصريحات الأوكتاغون داخل سياقه السياسي الحقيقي، فالمشروع لا ينطلق فقط من مخاطر الحروب أو التهديدات الخارجية، بل من تجربة داخلية بقيت حاضرة في ذهن النظام بوصفها لحظة تمكن فيها الشارع من الاقتراب من مراكز السلطة.
ومنذ ذلك الوقت، أعيد تشكيل العلاقة بين الحكم والمكان، فانتقلت الوزارات والمؤسسات إلى الشرق، وظهرت مدينة إدارية جديدة، ثم جاء مقر القيادة الاستراتيجية ليضع قلب القرار داخل أكثر أجزاء هذه المنظومة تحصينا واستقلالا.
ولذلك، فإن قصة الأوكتاغون ليست مجرد قصة مبنى مثمن أو منافس مصري للبنتاغون الأمريكي، بل قصة سلطة أعادت تصميم جغرافيا حكمها بعد تجربة شعبية هزت مؤسسات الدولة ووصلت إلى قلب العاصمة.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحا في أن المقر يقدم بوصفه مركزا لحماية الدولة، بينما تكشف تصريحات السيسي أن أحد المخاوف المؤسسة للمشروع كان وصول المصريين أنفسهم إلى مؤسسات الحكم وممارسة الضغط عليها في أوقات الغضب.
وهنا يختلط مفهوم حماية الدولة بحماية السلطة، لأن بناء مركز قيادة قادر على الاستمرار خلال الحروب والكوارث يختلف عن تقديم احتجاجات المواطنين وحصار المؤسسات بوصفها التهديد الذي يجب ألا يتكرر.
ومن 8 مبان ضخمة إلى غرفة قرار واحدة، صُمم الأوكتاغون ليجمع المعلومات والقيادة والطاقة والاتصالات والمحاكاة والخدمات داخل منظومة شديدة الترابط، لكن خلف هذه الهندسة يقف درس سياسي تعلمه النظام من يناير بطريقته الخاصة.
فبدلا من ضمان ألا تتكرر أسباب الغضب، جرى بناء مكان يصعب أن يصل إليه الغضب نفسه، وبدلا من تقريب مراكز القرار من المواطنين، انتقلت السلطة إلى عاصمة جديدة ثم وضعت قلب قيادتها داخل حصن يستطيع العمل بعيدا عنهم.
وفي النهاية، تكشف فلسفة الأوكتاغون أن السيسي لم ينس يناير، لكنه لم يستخلص منها ضرورة فتح المجال العام أو إصلاح مؤسسات الحكم، بل خرج منها بخلاصة مختلفة تماما، وهي أن مركز القرار يجب ألا يبقى مرة أخرى في متناول الشارع.

