تجددت النقاشات بشأن موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط بعد تداول منصة إسرائيلية قراءة لتصنيفات القوة العسكرية العالمية لعام 2026، سلطت فيها الضوء على حجم القدرات العسكرية المصرية، رغم أن التصنيف العام يضع مصر خلف كل من تركيا وإسرائيل وإيران. ويعكس هذا الاهتمام الإسرائيلي أن تقييم القوة العسكرية لا يعتمد فقط على ترتيب المؤشرات العالمية، وإنما يمتد إلى قراءة عناصر القوة التقليدية والقدرة على الحشد والانتشار، باعتبارها عوامل مؤثرة في أي حسابات استراتيجية طويلة المدى.
القوة العسكرية لا تُقاس بالترتيب وحده
أشارت المنصة الإسرائيلية إلى أن تركيا جاءت في المركز التاسع عالميا، تلتها إسرائيل في المركز الخامس عشر، ثم إيران في المركز السادس عشر، بينما حلت مصر في المركز التاسع عشر وفقا للتصنيف العالمي لعام 2026. ورغم ذلك، ركز التقرير على أن القوات المسلحة المصرية تمتلك واحدة من أكبر الترسانات التقليدية في المنطقة من حيث أعداد القوات والدبابات والمدفعية والمعدات البرية، وهو ما يمنحها ثقلا استراتيجيا في أي تقييم عسكري.
ويرى الباحث في الشؤون العسكرية محمد الكناني أن التصنيفات الدولية، ومنها مؤشر القوة العسكرية، تعتمد على عشرات المعايير المختلفة، ولذلك فإن الترتيب النهائي لا يعكس بالضرورة تفوق دولة في جميع المجالات. ويوضح أن مصر تمتلك عناصر قوة كبيرة في حجم القوات والاحتياطيات والبنية اللوجستية، بينما تتقدم دول أخرى في مجالات التكنولوجيا والأنظمة القتالية المتطورة، وهو ما يفسر اختلاف ترتيبها العام.
التكنولوجيا مقابل الكتلة العسكرية
وبحسب القراءة الإسرائيلية، فإن إسرائيل تحافظ على موقع متقدم بفضل التفوق التكنولوجي وسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي والاستخبارات، لكنها في الوقت نفسه تواصل متابعة تطور القدرات المصرية باعتبار أن الحجم الكبير للقوات التقليدية يمثل عاملا مهما في موازين الردع الإقليمي.
ويؤكد اللواء المتقاعد سمير فرج أن مفهوم القوة العسكرية الحديثة لم يعد يعتمد على عنصر واحد، موضحا أن التكنولوجيا تمنح أفضلية كبيرة في إدارة المعارك، إلا أن حجم القوات والقدرة على الإمداد والانتشار السريع يظل عاملا حاسما في الصراعات الممتدة. ويضيف أن امتلاك جيش كبير ومدرب، إلى جانب تطوير مستمر للتسليح، يعزز من قدرة أي دولة على حماية مصالحها الاستراتيجية.
من جانبه، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور سعيد عكاشة أن اهتمام وسائل الإعلام والمنصات الإسرائيلية بالقدرات العسكرية المصرية ليس أمرا جديدا، وإنما يأتي في إطار المتابعة الدائمة لأي تغيرات في موازين القوى داخل المنطقة. ويشير إلى أن إسرائيل تعتمد في تقييماتها على مزيج من المؤشرات الدولية والتقديرات الاستخباراتية الخاصة، ولا تبني رؤيتها على تصنيف عالمي واحد فقط.
لماذا تتابع إسرائيل القدرات المصرية؟
ويشير التقرير الإسرائيلي إلى أن الحفاظ على ما تسميه تل أبيب "التفوق النوعي" يظل أحد المبادئ الأساسية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن هذا الهدف لا يلغي أهمية متابعة تطور الجيوش الإقليمية، وفي مقدمتها الجيش المصري الذي يمتلك قاعدة بشرية كبيرة وقدرات لوجستية واسعة.
ويرى خبراء أن العلاقات المصرية الإسرائيلية، التي يحكمها اتفاق السلام والتنسيق الأمني في عدد من الملفات، لا تمنع استمرار المتابعة العسكرية المتبادلة باعتبارها ممارسة طبيعية بين الدول. ويؤكد محمد الكناني أن تحديث القوات المسلحة المصرية خلال السنوات الأخيرة شمل تنويع مصادر التسليح وتطوير البنية التحتية العسكرية ورفع كفاءة القوات، وهو ما يجعلها تحافظ على مكانة متقدمة بين أكبر الجيوش في المنطقة.
وفي السياق ذاته، يشير اللواء سمير فرج إلى أن امتلاك قوة عسكرية متوازنة لا يهدف بالضرورة إلى الدخول في صراعات، وإنما يمثل أحد عناصر الردع وحماية الأمن القومي، مؤكدا أن العقيدة العسكرية المصرية ترتكز على الدفاع عن الدولة ومصالحها الاستراتيجية.
وفي المقابل، يلفت سعيد عكاشة إلى أن القراءة الإسرائيلية تعكس إدراكا بأن موازين القوى الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد التفوق التكنولوجي، إذ إن الحجم البشري والقدرات التقليدية والمرونة اللوجستية تظل عناصر يصعب تجاهلها عند إعداد أي تقدير استراتيجي.
وفي النهاية، تكشف القراءة الإسرائيلية لتصنيفات القوة العسكرية العالمية أن المنافسة في المنطقة لا تُختزل في ترتيب رقمي أو مؤشر واحد، بل تقوم على مزيج من التكنولوجيا والجاهزية والقدرات البشرية واللوجستية.
وبينما يمنح التصنيف العالمي أفضلية لبعض الدول في مجالات محددة، تبقى القدرات العسكرية المصرية، بحجمها وتنوعها، أحد العناصر التي تحظى بمتابعة مستمرة في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية، بما يعكس أهمية الحفاظ على توازن الردع والاستقرار في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة.

