​يشهد الاقتصاد المصري أزمات طاحنة وانهيارا متسارعا ألقى بظلاله القاتمة على حياة ملايين المواطنين الكادحين خلال العقد الأخير. ويرى الكاتب ستيفن أ. كوك، في تقريره المنشور في مجلة فورين بوليسي ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، وجود قيادة فاشلة أدت لتدمير الاقتصاد الوطني وقادت البلاد نحو الإفلاس الفعلي.

 

​ويشير الباحث وائل جمال، في دراسة متعمقة صادرة عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط، لتبني السلطات سياسات نيوليبرالية مدمرة زادت من إفقار المجتمع. ويؤكد الباحث عمرو مجدي، في تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، تعمد السلطات تقويض الحقوق الاقتصادية الأساسية للمواطنين عبر خفض الإنفاق الحكومي المستمر.

 

​واعتمدت الحكومة المصرية مبادئ السوق الحر القاسية والخصخصة الجائرة على حساب العدالة الاجتماعية وحقوق الطبقات العمالية. وسجلت معدلات التضخم العام والأساسي، نتيجة لهذه السياسات، مستويات كارثية ناهزت السبعة والثلاثين بالمائة، مما التهم المدخرات البسيطة للأسر المصرية.

 

​وتراجعت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي بشكل متكرر ومروع، ليصل إلى مستويات قياسية أضعفت القدرة الشرائية للمواطن العادي. ويتجاهل النظام الحاكم، إزاء هذا الانهيار المتعاقب، تحميل نفسه أدنى مسؤولية عن هذا الفشل الذريع.

 

​ويلقي المسؤولون باللائمة باستمرار وبشكل متكرر على عوامل خارجية بحتة للتهرب من المحاسبة والشفافية. وتشمل هذه المبررات الرسمية التعذر بجائحة كورونا العالمية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، في محاولة بائسة للتغطية على الخلل الإداري.

 

​عسكرة الاقتصاد وتكريس أموال الدولة للمشاريع العملاقة

 

​وجهت حكومة الانقلاب بمصر مبالغ طائلة ومليارات الدولارات نحو مشاريع إنشائية وعمرانية عملاقة مشكوك في جدواها الاقتصادية الحقيقية. وبددت السلطات أموال الدولة ومقدراتها في قنوات غير إنتاجية لا توفر فرص عمل مستدامة أو عوائد قريبة.

 

​ويأتي مشروع العاصمة الإدارية الجديدة على رأس هذه المشاريع الاستنزافية التي استهلكت موارد البلاد الحيوية. وتخطت تكلفة بناء هذه العاصمة الصحراوية الفارهة خمسة وأربعين مليار دولار في مرحلتها الأولى فقط، مما يعكس سوء ترتيب الأولويات الوطنية.

 

​واضطر المصريون البسطاء، بناء على ذلك، لتحمل هذه الفاتورة الباهظة والخيالية عبر إضافة ديون سيادية ضخمة للميزانية العامة للدولة وللأجيال القادمة. وجاء هذا التورط المالي الكبير بعد انسحاب المستثمرين الأجانب البارزين، مثل الإمارات العربية المتحدة والصين، نظرا لعدم وضوح الأرباح المرجوة.

 

​ودشن النظام العسكري، بالتزامن مع ذلك، مشاريع أخرى استنزفت الخزينة العامة بشكل مرعب وخارج عن السيطرة. وتضم هذه الاستثمارات غير المدروسة العاصمة الصيفية الفاخرة على الساحل الشمالي، ومحطة الطاقة النووية المكلفة، وتفريعة قناة السويس الجديدة.

 

​وتوسعت الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري، في ظل هذا المناخ، بشكل غير مسبوق لتشمل قطاعات تجارية وصناعية وزراعية واسعة جدا. ورفضت المؤسسة العسكرية الخضوع لأي رقابة ديمقراطية أو برلمانية على أنشطتها وميزانياتها المتضخمة التي تظل طي الكتمان والسرية المطلقة.

 

​وجنى كبار الضباط أرباحا طائلة من وراء هذه المشاريع واحتكار العقود غير التنافسية المباشرة. وخصصت الدولة، في المقابل، قرابة نصف ميزانيتها العامة لخدمة الديون المتراكمة، حارمة بذلك القطاعات المدنية من التمويل اللازم.

 

​وساهم الدعم الخليجي السخي، الذي تجاوز مائة مليار دولار منذ التدخل العسكري، في تثبيت دعائم هذا النظام العسكري والاقتصادي. وأعاق هذا التدفق المالي غير المشروط إرساء أسس اقتصاد حقيقي، منتج، وشامل يخدم كافة المواطنين على قدم المساواة.

 

​"لقد انطلق الرئيس (رئيس الانقلاب)  في رحلة إنفاق ممولة بالديون على مشاريع عملاقة لا توجد لها مبررات اقتصادية تذكر، وأكثرها فظاعة العاصمة الإدارية الجديدة التي تكلفت حتى الآن أكثر من 45 مليار دولار."

https://foreignpolicy.com/2023/08/09/egypt-economy-debt-imf-sisi-mega-projects/

 

​تراجع الإنفاق الحكومي وانهيار قطاعي الصحة والتعليم

 

خفضت السلطات المصرية مخصصات قطاعي التعليم والصحة الحيوية بشكل صارخ ينتهك الالتزامات الدستورية الواضحة والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وأكدت التقارير الحقوقية تسبب هذا النقص المزمن والمتعمد في التمويل الحكومي بعجز شديد وانهيار في جودة الخدمات في المدارس والمستشفيات العامة.

 

​وانخفض الإنفاق الفعلي على التعليم تدريجيا ليصل إلى أدنى مستوياته التاريخية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغ حوالي واحد ونصف بالمائة فقط. وفاقم هذا التراجع المالي الخطير نقص الفصول الدراسية وتكدس الطلاب وشح المعلمين المؤهلين في المدارس الحكومية بجميع المحافظات.

 

​وأجبرت هذه الظروف القاسية والمتردية الأسر المصرية، رغما عنها، على اقتطاع أجزاء كبيرة من دخلها المحدود. وتحملت العائلات تكاليف باهظة للتعليم الخاص تزامنا مع انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية المرهقة ماديا لسد الفجوة التعليمية.

 

​وتعاني المستشفيات الحكومية، في نفس الوقت، من نقص حاد وخطير في الموارد الأساسية والأجهزة الطبية. وتدفع هذه الأزمة الخانقة الأطباء، وهم مجبرين، لشراء المستلزمات الطبية كالقفازات والخيوط الجراحية من أموالهم الخاصة لإنقاذ حياة المرضى.

 

​ودفع هذا التردي المهني وانخفاض الرواتب الهزيلة آلاف الأطباء والممرضين لتقديم استقالاتهم الجماعية هربا من هذه البيئة الطاردة. وهاجر آلاف الكوادر الطبية الكفؤة إلى الخارج، وتحديدا إلى أوروبا ودول الخليج، بحثا عن ظروف عمل إنسانية ولائقة تضمن لهم حياة كريمة.

 

​ويتحمل المواطنون المرضى حاليا أكثر من سبعة وخمسين بالمائة من تكاليف الرعاية الصحية المباشرة من جيوبهم الخاصة. ويعمق هذا الوضع المزري انعدام المساواة ويهدد حياة الفقراء غير القادرين على الدفع وتوفير تكاليف العلاج الباهظة.

 

​"الحكومة المصرية قوضت بشكل خطير الحق في التعليم والرعاية الصحية من خلال عدم تخصيص الإنفاق الكافي، مما يشكل تراجعاً عن الالتزامات الدستورية والمؤشرات الدولية."

https://www.hrw.org/news/2026/01/07/egypt-declining-funding-undermines-education-health-care

 

الخضوع لصندوق النقد الدولي وبيع أصول الدولة

 

​استجابت الحكومة المصرية تماما لضغوط وتوجيهات صندوق النقد الدولي دون التفات لخطورة ذلك على السلم المجتمعي. ونفذت السلطات، بناء على ذلك، برامج تقشفية قاسية وصارمة لم تراعِ البعد الاجتماعي وحقوق الفئات الضعيفة.

 

​وشملت هذه البرامج الاقتصادية المدمرة رفع الدعم الحكومي تدريجيا عن السلع الغذائية الأساسية والمحروقات. وأدى تعويم العملة المحلية للمرة تلو الأخرى إلى تبخر المدخرات وتآكل القيمة الفعلية للأجور الثابتة.

 

​ووجهت هذه الإجراءات المتتالية ضربة قاضية وموجعة للطبقتين المتوسطة والفقيرة، مما زاد من معاناتهم اليومية. وأنهكت هذه السياسات قدرات المواطنين على توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية الكريمة في ظل تصاعد الغلاء المتوحش.

 

​ولجأت السلطات التنفيذية، لمواجهة هذا المأزق المالي العنيف، لسياسة متسارعة لبيع أصول الدولة وممتلكاتها العامة الحيوية. وتهدف هذه الخطوة اليائسة لتسديد أقساط وفوائد ديونها الخارجية المتراكمة والمخيفة للجهات الدائنة.

 

​وأحجم العديد من المستثمرين الأجانب والخليجيين عن الشراء الفوري لهذه الأصول القومية بانتظار فرص أفضل. وينتظر هؤلاء مزيدا من التخفيض المتعمد في قيمة الجنيه المصري للاستحواذ على هذه الشركات والمصانع بأبخس الأثمان الممكنة.

 

​وصادق السيسي مؤخرا على قانون مثير للجدل يتيح للمستثمرين من القطاع الخاص إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية التاريخية. ويُعد هذا التوجه الجديد خصخصة مقنعة تقضي على مجانية العلاج وتضر بالمرضى من الفئات المهمشة.

 

​وفقد المواطنون قدرتهم الشرائية تماما، وانهارت مستويات معيشتهم، وارتفعت نسب الفقر المدقع في ربوع البلاد بشكل ملحوظ وصادم. ودفع هذا الانهيار الاقتصادي وغياب الأفق الآلاف من الشباب المصري اليائس إلى ركوب قوارب الموت والمخاطرة بحياتهم في رحلات الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية بحثا عن النجاة.

 

​وبالإضافة إلى ذلك، تقلص دور الدولة الرعائي في حماية مواطنيها، وحُصرت الثروات والمنافع الوطنية في أيدي نخبة سياسية وعسكرية ضيقة جدا. وتترك هذه التوجهات الإقصائية ملايين المصريين لمواجهة مصير غامض ومجهول المعالم في ظل ديون سيادية تثقل كاهلهم وتهدد أمنهم.

 

​"النظام الاقتصادي للسيسي غير مستدام وسيؤدي إلى تفريغ موارد الدولة حتى تنهار مصر، حيث لا يزال مستقبل البلاد كئيباً مع استمرار الفساد في تسميم كل جانب من جوانب الحياة."

https://www.eurasiareview.com/03022026-morsis-fall-power-resistance-and-the-egyptian-deep-state-oped/?cf_chl_f_tk=V10PTotqvzyD6GD3M_O.M6a4hppEae9DswKjyV6Jv6Q-1783007834-1.0.1.1-WaWLIqbqAHcrf5ZYRrP79h.ytgvoOWYXDSAJdq73SJc

 

​ويتبين بوضوح، في ختام هذا العرض التحليلي، وصول السياسات الاقتصادية المتبعة في مصر إلى حافة الهاوية التامة. وتهدد هذه الممارسات الخاطئة الاستقرار المجتمعي ومعيشة ملايين الأسر البسيطة التي باتت تكافح يوميا من أجل البقاء.

 

​غلبت السلطات الحاكمة مصالح النخبة العسكرية والمشاريع الاستعراضية على حساب الاستثمار الحقيقي والمنتج في شرايين الاقتصاد. وأهملت الحكومة بشكل تام الاستثمار في رأس المال البشري المتمثل أساسا في بناء وتطوير قطاعي الصحة والتعليم.

 

​ويستمر نزيف الموارد الحيوية وبيع مقدرات الدولة في ظل غياب تام للشفافية والمحاسبة الديمقراطية ومشاركة الرأي العام. ويفاقم هذا الغياب المؤسسي من عبء الديون الكارثية التي ستكبل أيدي الأجيال القادمة لعقود طويلة وتصادر مستقبلهم وفرصهم في النماء.

 

​وتبقى الحاجة ماسة وعاجلة لضرورة إجراء مراجعة شاملة وجذرية لهذه التوجهات النيوليبرالية القاسية قبل فوات الأوان. ويتحتم إرساء نموذج اقتصادي وطني شفاف يضع المواطن البسيط والعدالة الاجتماعية في صميم أولوياته المطلقة لتجنب كارثة وطنية محققة قد تعصف بالبلاد.