يشهد الريف الغربي لمحافظة درعا جنوبي سوريا موجة توتر متصاعدة، بعد توغلات إسرائيلية متكررة وقصف مدفعي وإطلاق نار باتجاه مناطق سكنية، وسط حالة خوف دفعت مئات العائلات إلى النزوح المؤقت نحو قرى مجاورة.

 

وتحوّلت قرى عابدين وتل المغر ومعرية وجملة إلى بؤرة اشتباك مفتوح بين واقع الاحتلال العسكري الإسرائيلي المتقدم داخل الأراضي السورية، وغضب الأهالي الرافض لهذا الوجود، في مشهد يعيد إلى الواجهة خطورة التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري، وانعكاساته على المدنيين والسيادة السورية واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

 

 

توغل وإطلاق نار قرب معرية.. احتجاج الأهالي يواجه الرصاص

 

قالت الوكالة العربية السورية للأنباء إن القوات الإسرائيلية المتمركزة في ثكنة الجزيرة، غربي قرية معرية في ريف محافظة درعا، أطلقت مساء الاثنين النار باتجاه شبان كانوا يستقلون دراجات نارية خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية قرب الثكنة، رفضاً لوجود القوات الإسرائيلية في المنطقة.

 

وبحسب الوكالة، لم يتوقف التصعيد عند تفريق الوقفة أو إطلاق النار باتجاه المشاركين فيها، إذ تقدمت القوات الإسرائيلية إلى موقع وقوف الشبان بعد انسحابهم، ثم أطلقت الرصاص باتجاه الأحياء السكنية في القرية القريبة من ثكنة الجزيرة، دون ورود معلومات مؤكدة عن وقوع إصابات.

 

وأفادت وسائل إعلام محلية سورية بأن القوة الإسرائيلية المتوغلة كانت مؤلفة من نحو 20 عنصراً، وتحركت سيراً على الأقدام باتجاه ما يعرف بسرية الهاون، التي تبعد أكثر من 400 متر عن الثكنة، بالتزامن مع إطلاق متقطع للرصاص الحي باتجاه المناطق السكنية المجاورة.

 

وتكشف هذه الواقعة عن مستوى جديد من الاحتكاك المباشر بين السكان المحليين والقوات الإسرائيلية، إذ لم تعد التوغلات مقتصرة على نقاط عسكرية أو مناطق مفتوحة، بل باتت تتصل مباشرة بحياة المدنيين وتحركاتهم اليومية. كما أن إطلاق النار باتجاه أحياء مأهولة يضاعف المخاوف من تحوّل المنطقة إلى ساحة ضغط عسكري دائم، تُفرض فيها إجراءات الأمر الواقع تحت غطاء ما تسميه إسرائيل “منطقة التأمين الدفاعية”.

 

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تصاعد التوتر في حوض اليرموك وريف القنيطرة، حيث تتكرر عمليات التفتيش ونصب الحواجز واستجواب المارة، وفق شهادات محلية، في وقت يشعر فيه الأهالي بأن قراهم باتت مكشوفة أمام تحركات عسكرية لا تخضع لأي رقابة فعلية، ولا تجد رداً حاسماً من المجتمع الدولي.

 

 

عابدين وتل المغر.. قصف ونزوح مؤقت وخوف واسع بين السكان

 

شهدت بلدة عابدين، في ريف درعا الغربي، ليلة الأحد حالة من التوتر والخوف بعد قصف إسرائيلي استهدف القرية ومحيطها، ما دفع نحو ألفي شخص إلى النزوح المؤقت باتجاه قرى قريبة. وقال موفق محمود، رئيس مجلس بلدية عابدين، إن البلدة عاشت ليلة صعبة بسبب تحليق الطيران والقصف وإطلاق النار والقنابل المضيئة التي استخدمتها القوات الإسرائيلية خلال انسحابها من المنطقة.

 

وأوضح محمود أن الأوضاع أصبحت أكثر هدوءاً في اليوم التالي، ما دفع غالبية السكان إلى العودة لمنازلهم وأعمالهم، مشيراً إلى أن عدد سكان البلدة يبلغ نحو أربعة آلاف نسمة. ولفت إلى أن من غادروا البلدة لجأوا إلى منازل أقارب أو معارف في القرى المجاورة، دون تسجيل حالات نزوح إلى مدارس أو مساجد، كما لم تسجل البلدية إصابات أو أضراراً مادية وفق المعلومات المتوفرة لديها.

 

وكانت وكالة “سانا” قد ذكرت أن قصفاً إسرائيلياً استهدف ليل الأحد قرية عابدين ومحيطها، وسط استمرار تحليق الطيران الحربي والمروحي فوق ريفي درعا والقنيطرة. كما أفادت بأن قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” قامت بجولة في قرية عابدين، بالتزامن مع عودة عدد من العائلات.

 

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع مصورة قالوا إنها تظهر نزوح بعض الأهالي من عابدين وتل المغر عقب القصف الإسرائيلي. وروى شهود عيان أن القوات الإسرائيلية توغلت فجراً من ثكنة الجزيرة باتجاه تل المغر، ونصبت خياماً وركنت آلياتها في المنطقة، ثم أطلقت النار باتجاه المنازل أثناء انسحابها.

 

وقال أحد الشهود إن الأهالي تصدوا للقوات الإسرائيلية بالحجارة عندما حاولت فتح الطريق بعد إغلاقه. كما تحدث شاهد آخر عن تقدم القوات الإسرائيلية نحو موقعين في حوض اليرموك، وطلبها إغلاق المحال التجارية، ونصبها حواجز لتوقيف المارة واستجوابهم، ومنع حركة السكان بين قرى عابدين وجملة ومحيطهما.

 

وتكتسب منطقة تل المغر حساسية خاصة لدى الأهالي، إذ يرى السكان أن محاولة القوات الإسرائيلية السيطرة عليها تعني عملياً السيطرة على نحو ستة آلاف دونم من الأراضي الزراعية التابعة لعابدين. ولذلك أغلق الأهالي الطرق المؤدية إلى القرية بالحجارة لنحو ساعتين، في محاولة لمنع القوات الإسرائيلية من العودة، في تعبير شعبي واضح عن رفض التوغل ورفض فرض واقع عسكري جديد على الأرض.

 

 

إدانات سورية وعربية.. وتحذيرات من تصعيد يهدد الجنوب

 

أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، الاثنين، ما وصفته بالاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة في التوغلات داخل الأراضي السورية بمحافظتي القنيطرة ودرعا، واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية، وما نتج عن ذلك من ترويع للمدنيين. واعتبرت الوزارة أن هذه التحركات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

 

وحذّرت الخارجية السورية من أن استمرار هذه الممارسات يقوّض الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد من معاناة المدنيين في المناطق المستهدفة، وينذر بمزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة. كما دعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم واتخاذ إجراءات لوقف الانتهاكات المتكررة وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك.

 

وعربياً، أعربت قطر والسعودية والأردن، في بيانات منفصلة، عن إدانتها للتوغلات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، وما رافقها من قصف مدفعي. واعتبرت قطر أن ما جرى انتهاك صارخ لسيادة سوريا والقانون الدولي، فيما أدانت السعودية مواصلة إسرائيل انتهاكاتها في المنطقة، ودعا الأردن المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.

 

في المقابل، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر منصة إكس، أن قوات الفرقة 210 قتلت عدداً ممن وصفهم بـ“المسلحين” في جنوب سوريا، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في ما سماه “منطقة التأمين الدفاعية” لإزالة أي تهديد يستهدف مواطني إسرائيل وقوات الجيش.

 

وتشير هذه التصريحات إلى أن إسرائيل تتعامل مع مناطق في الجنوب السوري باعتبارها مجالاً أمنياً مفتوحاً لعملياتها، وهو ما يثير مخاوف واسعة من ترسيخ وجود عسكري دائم أو شبه دائم في مناطق قريبة من خط الفصل. وتزداد خطورة المشهد مع تكرار الحديث عن بقاء الجيش الإسرائيلي في مناطق دخلها عقب سقوط النظام السابق، وفق تصريحات رسمية إسرائيلية سابقة.

 

ومنذ مطلع العام الحالي، أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 37 استهدافاً إسرائيلياً للأراضي السورية، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وتدمير نحو 13 هدفاً، بينها مستودعات أسلحة وذخائر ومقار وآليات. ومع استمرار التوغلات والقصف، تبدو قرى الجنوب السوري أمام واقع هش، تتداخل فيه الحسابات العسكرية الإسرائيلية مع معاناة المدنيين اليومية.

 

وبين إطلاق النار على المحتجين، ونزوح الأهالي ليلاً، ونصب الحواجز داخل القرى، تتجه درعا مجدداً إلى واجهة التوتر في سوريا. وما لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك، فإن الجنوب السوري قد يبقى مفتوحاً على مزيد من التصعيد، فيما يدفع المدنيون وحدهم ثمن الخوف والنزوح وفقدان الأمان.