تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، بعد رفض رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، في وقت شهد فيه جنوب لبنان حدثًا أمنيًا جديدًا استهدف مقرًا ميدانيًا لجيش الاحتلال داخل بلدة عيتا الشعب الحدودية، وأسفر عن إصابة جنديين إسرائيليين، أحدهما بجروح خطيرة، وسط استمرار الغارات والتحركات البرية الإسرائيلية رغم الحديث عن اتفاق إطار بين الجانبين.


جاء موقف بري، الداعم لحزب الله، ليكشف حجم الانقسام السياسي والأمني حول الاتفاق المطروح، خصوصًا أنه يتضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية مقابل نزع سلاح حزب الله، وهو الشرط الذي ترفضه قوى المقاومة وتعتبره محاولة لفرض معادلة سياسية وأمنية لمصلحة الاحتلال، لا لحماية السيادة اللبنانية أو وقف الاعتداءات المتواصلة على الجنوب.


بري يرفض الاتفاق: الاتفاق لن يُقر ولن يُنفذ بصيغته الحالية


أعلن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري رفضه القاطع للاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، مؤكدًا أن الاتفاق “لن يُقر ولن يُنفذ بصيغته الحالية”، لأنه لا يضمن، بحسب وصفه، حقوق لبنان، ولا يعبر عن تسوية عادلة تحفظ سيادته وأمنه.


وجاء بيان بري، الذي نشرته حركة أمل، بلغة حاسمة، إذ وصف الاتفاق بأنه “اتفاق إملاءات، وليس اتفاقًا يحفظ حقوق لبنان”، في إشارة إلى أن الصيغة المطروحة لا تنطلق من مبدأ التفاوض المتوازن، بل من محاولة فرض شروط سياسية وأمنية على لبنان تحت ضغط الحرب والتهديد الإسرائيلي المستمر.


ويكشف هذا الموقف أن الاتفاق لا يحظى بتوافق لبناني داخلي، لا سيما في ظل ارتباطه بشرط حساس يتمثل في نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. فبالنسبة إلى القوى الداعمة للمقاومة، لا يمكن تقديم السلاح كورقة تفاوض مجانية بينما يواصل الاحتلال اعتداءاته داخل الأراضي اللبنانية.


كما أن رفض بري يضع الحكومة اللبنانية أمام مأزق سياسي واضح؛ فتمرير اتفاق بهذه الحساسية يحتاج إلى غطاء وطني واسع، خصوصًا أنه يمس ملف السيادة والحدود والسلاح والمقاومة. وأي محاولة لتجاوز القوى الرافضة قد تفتح الباب أمام أزمة داخلية جديدة، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة سياسية واقتصادية وأمنية.


في المقابل، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاتفاق، واعتبره “إنجازًا تاريخيًا” وجّه ضربة قوية لإيران وحزب الله، وهو تصريح زاد من حدة الشكوك اللبنانية حول طبيعة الاتفاق وأهدافه، خاصة أن الاحتلال يتعامل معه باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لا تسوية متوازنة.


حزب الله يرفض.. والميدان يرد في الجنوب


لم يكن موقف حزب الله بعيدًا عن موقف بري، إذ أعلن الأمين العام للحزب نعيم قاسم رفض الاتفاق، واعتبره “استسلامًا لإسرائيل”، في تعبير مباشر عن رؤية الحزب للصيغة المطروحة، والتي يراها محاولة لنزع عناصر القوة اللبنانية مقابل وعود إسرائيلية لا توجد ضمانات حقيقية لتنفيذها.


وتزامن هذا الرفض السياسي مع تطورات ميدانية لافتة في جنوب لبنان، حيث أفادت وسائل إعلام عبرية بوقوع حدث أمني بعد تفجير عبوة ناسفة استهدفت مقر القيادة الميداني لنائب قائد لواء الكوماندوز في جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل بلدة عيتا الشعب الحدودية.


وبحسب الإعلام العبري، أدى التفجير إلى إصابة جنديين من جنود الاحتياط، أحدهما بجروح خطيرة والآخر بجروح متوسطة، قبل أن يتم إجلاؤهما بواسطة مروحية عسكرية. كما أشارت التقارير إلى أن الموقع المستهدف كان يوجد داخله كبار ضباط الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.


هذا التطور الميداني حمل رسالة واضحة بأن الجنوب اللبناني لا يزال ساحة مواجهة مفتوحة، وأن محاولات فرض الاتفاقات السياسية تحت النار لا تعني بالضرورة تغير ميزان الاشتباك على الأرض. فالمقاومة، وفق ما تعكسه هذه العمليات، لا تزال قادرة على الوصول إلى مواقع عسكرية حساسة واستهداف تجمعات قيادية داخل المناطق الحدودية.


وفجر الأحد، شهدت بلدة دير سريان الجنوبية اشتباكًا بين مقاوم من حزب الله وقوة إسرائيلية، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة جندي من جيش الاحتلال. وتأتي هذه العملية في سياق متصل بالتصعيد الحدودي، وبما يؤكد أن المواجهة لا تقتصر على القصف الجوي والمدفعي، بل تشمل اشتباكات مباشرة وعمليات نوعية داخل القرى الحدودية.


ويبدو أن الميدان بات يسبق السياسة، أو على الأقل يفرض شروطه عليها. فبينما تتحدث إسرائيل عن اتفاق تاريخي، وتدفع واشنطن نحو صيغة سياسية جديدة، تستمر المواجهات في الجنوب لتؤكد أن أي اتفاق لا يعالج جوهر الاعتداءات الإسرائيلية ولا يضمن انسحابًا فعليًا وحماية حقيقية للبنان سيظل مرفوضًا وقابلًا للانفجار.


اتفاق تحت النار.. واعتداءات إسرائيلية لا تتوقف

 

رغم الحديث عن “اتفاق إطار” بين حكومتي لبنان والاحتلال الإسرائيلي، يواصل جيش الاحتلال اعتداءاته على جنوب لبنان عبر الغارات الجوية بالطائرات الحربية والمسيرة، وإلقاء القنابل من المحلقات، وتنفيذ القصف المدفعي، إلى جانب تحركات برية تترافق مع إشعال حرائق وتفجيرات تهدف إلى نسف منازل داخل المناطق الحدودية.


هذه الاعتداءات تطرح سؤالًا جوهريًا حول جدية أي اتفاق سياسي يتم الترويج له في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية. فكيف يمكن للبنان أن يقبل اتفاقًا يطالبه بنزع سلاح قوة مقاومة، بينما لا تتوقف إسرائيل عن انتهاك أراضيه وقصف بلداته وتهديد سكانه؟.


كما أن ربط انسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله يضع المعادلة في اتجاه واحد: لبنان يقدم تنازلًا أمنيًا كبيرًا، بينما تقدم إسرائيل وعدًا بالانسحاب، دون أن يتضح وجود ضمانات حقيقية تمنعها من العودة إلى التصعيد أو تكرار الاعتداءات أو فرض وقائع جديدة على الحدود.


وبالنسبة إلى المعارضين للاتفاق، فإن الصيغة الحالية لا تحمي لبنان، بل تحاول إعادة تشكيل ميزان الردع لمصلحة الاحتلال. فالسلاح الذي تطالب إسرائيل والولايات المتحدة بنزعه هو ذاته الذي تعتبره المقاومة ضمانة في مواجهة الاعتداءات، خاصة في ظل غياب الثقة بأي التزام إسرائيلي طويل الأمد.


كذلك، فإن وصف نتنياهو للاتفاق بأنه ضربة لإيران وحزب الله يكشف، من وجهة نظر القوى الرافضة، أن الاتفاق ليس معنيًا فقط بالحدود أو وقف النار، بل يدخل في إطار صراع إقليمي أوسع يستهدف تقليص نفوذ محور المقاومة، وإعادة ترتيب الوضع الأمني في لبنان بما يخدم الحسابات الإسرائيلية والأمريكية.


ومع استمرار العمليات الميدانية في عيتا الشعب ودير سريان، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ فالاتفاق الذي لم يُقر بعد يواجه رفضًا سياسيًا من أطراف وازنة، ورفضًا ميدانيًا يعبر عنه استمرار الاشتباك، بينما يواصل الاحتلال انتهاكاته وكأن الاتفاق مجرد غطاء سياسي لا يقيّد حركته العسكرية.


في المحصلة، لا تبدو الأزمة مرتبطة فقط بصيغة اتفاق مكتوبة، بل بمعادلة كاملة عنوانها السيادة والسلاح والردع والضمانات. وبين رفض بري، وموقف حزب الله، وتصعيد الاحتلال، يبقى جنوب لبنان مفتوحًا على احتمالات خطيرة، ما لم تظهر صيغة مختلفة تضمن انسحابًا حقيقيًا، ووقفًا كاملًا للاعتداءات، واحترامًا فعليًا لحقوق لبنان، لا مجرد اتفاق تراه إسرائيل إنجازًا وتراه المقاومة استسلامًا.