كثفت قوات الدعم السريع هجماتها حول مدينة الأُبَيض السودانية خلال الأسابيع الأخيرة، مستهدفة مرافق مدنية وشبكات كهرباء ووقود وطرق خروج رئيسية، فيما حذرت الأمم المتحدة ومراقبون من أن المشهد يعيد إلى الأذهان ما سبق سقوط الفاشر وما رافقه من فظائع واسعة.
وتتحول الأُبَيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى نقطة اختبار جديدة في حرب السودان المفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، فهي ليست مدينة هامشية في خريطة الصراع، بل عقدة طرق وإمداد تربط دارفور بغرب ووسط وشرق البلاد، وتضم قاعدة جوية وفرقة مشاة وخط أنابيب نفط وسوقاً مهماً للصمغ العربي، ما يجعل السيطرة عليها مكسباً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً بالغ الحساسية.
هجمات المسيّرات وخنق المدينة
في الأسابيع الأخيرة، اتخذ التصعيد حول الأُبَيض طابعاً أكثر خطورة مع تكرار هجمات المسيّرات واستهداف البنية التحتية المدنية ومرافق الكهرباء والوقود، إلى جانب الطريق السريعة المؤدية إلى خارج المدينة. هذا النمط لا يبدو معزولاً عن استراتيجية الضغط الشامل التي تسبق عادة محاولات الاقتحام أو الحصار، كما حدث في مدن سودانية أخرى خلال الحرب.
وبحسب شهادات سكان نقلتها وكالة فرانس برس، أدى تضرر محطات المياه وانقطاع الإمدادات إلى دفع الأهالي للاعتماد على الآبار وشاحنات نقل المياه ونقاط توزيع محدودة، وسط أوضاع صحية ومعيشية متدهورة. تقول محمد، وهي أم لسبعة أطفال تعيش في مخيم الرحمانية على أطراف المدينة، إن النساء يسرن لمسافات طويلة حاملات المياه فوق رؤوسهن، رغم أن المياه نفسها غير صالحة للشرب.
ولا تقف الأزمة عند المياه فقط، فالمخيم الذي يضم نحو 200 أسرة يعيش في مآوٍ هشة من القش والأقمشة الممزقة وألواح البلاستيك، بينما يتجمع الأطفال تحت ظلال ضيقة هرباً من الشمس. المشهد الإنساني هناك يلخص انهيار المدينة ببطء: لا غذاء كافياً، لا فرش، لا رعاية صحية، ولا ضمانة بأن الطريق إلى الخارج سيبقى مفتوحاً.
ومع تراجع الإمدادات الإنسانية بسبب قطع الطرق وتدمير البنية التحتية وتدهور الأوضاع الأمنية، يؤكد متطوعون أن الاحتياجات تفوق ما يصل إلى المدينة من مساعدات. وبينما يتردد طنين الطائرات المسيّرة في سماء الأُبَيض، يقول سكان إن المدنيين والبنية التحتية يتعرضون للاستهداف المستمر، فيما يعيش الناس حالة ترقب وخوف لا يعرفون معها أين تسقط الضربة التالية.
وتزداد خطورة المشهد لأن الأُبَيض لم تعد تستقبل فقط سكانها الأصليين، الذين يقدر عددهم بنحو نصف مليون، بل باتت تؤوي نحو 100 ألف نازح فروا من العنف في مناطق مجاورة. وهذا يعني أن أي حصار أو اقتحام محتمل لن يضرب مدينة عادية، بل كتلة بشرية مثقلة أصلاً بالنزوح والفقر وانهيار الخدمات.
مدينة على خط السلطة والمال
تكمن أهمية الأُبَيض في موقعها ودورها، فهي تقع على طريق حيوية تربط إقليم دارفور الذي تسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة منه، بوسط وشرق السودان حيث مناطق سيطرة الجيش. لذلك يرى محللون أن الاستيلاء عليها قد يمنح الدعم السريع جسراً استراتيجياً يوسع نفوذه غرباً، وربما يفتح الطريق أمام ضغط أكبر باتجاه العاصمة أو مناطق سيطرة الجيش المركزية.
ولا تقتصر القيمة على الجغرافيا العسكرية، فالمدينة تضم فرقة مشاة للجيش وقاعدة جوية وخط أنابيب نفط رئيسياً وسوقاً كبيرة للصمغ العربي، وهو من السلع السودانية الاستراتيجية. من هنا، قالت الباحثة في الشؤون السودانية خلود خير إن السيطرة على الأُبَيض تتعلق “بالسلطة والأرض والمال”، وهي عبارة تختصر جوهر الصراع حول المدينة.
وخلال الشهر الماضي، رصدت منظمة مشروع بيانات ومواقع وأحداث النزاعات المسلحة تحركات لقوات الدعم السريع على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال الأُبَيض وجنوبها وغربها، بحسب الباحثة نهاد الطيب. هذه التحركات، مع التعزيزات العسكرية والهجمات الجوية، دفعت مجلس الأمن الدولي إلى التعبير عن قلقه من حشد كبير حول المدينة والتحذير من فظائع جماعية وشيكة.
ويحضر شبح الفاشر بقوة في كل قراءة للمشهد. فقد حاصر الدعم السريع المدينة طويلاً قبل سقوطها، وسط تحذيرات من مجاعة وعمليات قتل وانتهاكات واسعة. وأشار خبراء أمميون إلى أن الهجوم على الفاشر حمل سمات الإبادة الجماعية، بينما قدرت الأمم المتحدة سقوط أكثر من 6000 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى بعد سقوط المدينة، وهو رقم كافٍ لجعل الأُبَيض على حافة ذعر حقيقي.
ورغم اختلاف التركيبة الديمغرافية للأُبَيض عن الفاشر، حيث اتخذ العنف هناك طابعاً عرقياً أكثر وضوحاً، تحذر نهاد الطيب من أن المدنيين في الأُبَيض قد يواجهون نهباً وعنفاً جنسياً وهجمات ضد من يُتهمون بدعم الجيش. وهذا الاحتمال يجعل التحذيرات الحالية أكثر من مجرد تقديرات عسكرية، بل إنذاراً مبكراً بكارثة مدنية.
حصار يقترب ومدنيون بلا مخرج
يقول محمد رفعت، من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، إن الأُبَيض تقترب من حصار شامل قد يجعل المدنيين قريباً غير قادرين على الخروج الآمن أو العودة الآمنة. هذا التحذير يعكس انتقال الأزمة من مرحلة الضغط العسكري إلى مرحلة خنق المدينة، وهي المرحلة التي يصبح فيها المدنيون عالقين بين القصف والجوع وانعدام وسائل الفرار.
وتؤكد خلود خير أن كثيراً من السكان باتوا محاصرين فعلياً، مع تضاعف أسعار المياه وارتفاع تكاليف الغذاء بنسبة تصل إلى 300 بالمئة، إضافة إلى قفزات كبيرة في أجور النقل. وفي بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، يصبح قرار النزوح نفسه مكلفاً، فالكثيرون لا يغادرون لأنهم لا يملكون المال أو لا يعرفون إلى أين يذهبون.
وبحسب رفعت، علقت منظمات إغاثة أنشطتها في المدينة بسبب تدهور الوضع الأمني وصعوبة الوصول، في وقت تفوق فيه الاحتياجات حجم الإمدادات المخزنة مسبقاً. وهذا يعني أن الأُبَيض قد تنزلق خلال أسابيع إلى مشهد شبيه بالفاشر، حيث لم يبق مدنيون على قيد الحياة إلا بالاعتماد على أعلاف الحيوانات خلال حصار امتد 18 شهراً.
وتقول مصادر حكومية إن الجيش حاول إبطاء تقدم الدعم السريع ودمر عتاداً تابعاً لها أثناء تحركاتها الأخيرة، بينما يتهم مصدر قريب من الدعم السريع الجيش باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، معتبراً أنه كان ينبغي إجلاؤهم. وبين الروايتين، يبقى المدنيون هم الطرف الأضعف، الذين يدفعون ثمن الصراع دون قدرة على اختيار مسار آمن.
إن الأُبَيض اليوم ليست مجرد جبهة جديدة في حرب السودان، بل اختبار لقدرة المجتمع الدولي على منع تكرار مأساة الفاشر. فالتحذيرات موجودة، والشهادات واضحة، والحشود مرصودة، والمدينة تختنق تدريجياً. وإذا استمر الصمت أو الاكتفاء بالبيانات، فقد يستيقظ العالم مرة أخرى على كارثة كان يعرف ملامحها قبل وقوعها.
وفي بلد تتآكل فيه الدولة بين جيش ودعم سريع وملايين النازحين، يصبح سقوط مدينة استراتيجية أخرى أكثر من تقدم ميداني، إنه خطوة إضافية نحو تفكيك السودان إلى مناطق نفوذ مسلحة، حيث تتحول الجغرافيا إلى غنيمة، والمدنيون إلى رهائن، والحياة اليومية إلى معركة من أجل الماء والخبز وطريق نجاة لا يأتي.

