أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرارا في شمال سيناء بنزع ملكية 366 فدانا من منازل ومزارع العريش، بناء على طلب كامل الوزير، لإنشاء خط سكة حديد جديد يفتح باب الغضب.
وبالتالي، لا تقف الكارثة عند رقم في الجريدة الرسمية، بل عند دولة تنزع الأرض باسم التنمية، وتدفع الأهالي إلى سؤال قاس: هل يصل القطار إلى سيناء فوق بيوت الناس وزيتونهم.
قرار ينزع الأرض لا يبني الثقة
كما أن القرار يضع سكان العريش أمام صدمة مركبة، لأن الأرض المستهدفة ليست رقما عقاريا باردا، بل مساكن ومزارع زيتون ومصادر رزق في محافظة دفعت ثمنا باهظا من الأمن والاستقرار.
لذلك، يصبح الحديث عن المنفعة العامة ناقصا إذا لم يبدأ من أصحاب الأرض أنفسهم، فالمشروع الذي يمر فوق حياة الناس يحتاج أولا إلى كشف واضح للتعويضات والمسارات والبدائل ومواعيد الإخلاء.
ومن ثم، فإن طلب وزير النقل نزع 366 فدانا لصالح خط سكة حديد يحول مشروع النقل من وعد بالتنمية إلى امتحان مباشر لعدالة الدولة في التعامل مع الملكية الخاصة.
غير أن الخطورة لا تكمن فقط في مساحة الأرض، بل في طبيعة المكان، فالعريش ليست أرضا خالية على خريطة هندسية، بل مدينة عاشت سنوات من الاستثناء الأمني والنزوح والهدم والقلق.
علاوة على ذلك، فإن نزع ملكية منازل ومزارع زيتون يعني اقتلاع ذاكرة معيشية كاملة، لأن شجرة الزيتون في سيناء ليست محصولا فقط، بل علامة بقاء وارتباط بالأرض عبر الأجيال.
بناء على ذلك، لا يجوز اختزال القرار في عبارة إنشاء خط سكة حديد، لأن السكة التي تخدم الناس لا يجب أن تبدأ بإضعافهم أو إجبارهم على ترك بيوتهم دون ضمانات صارمة.
المنفعة العامة أم مصلحة السلطة
في المقابل، ينص الدستور المصري على أن الملكية الخاصة مصونة، ولا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما، وهي قاعدة يجب أن تسبق الجرافات لا تلحق بها.
لزيادة الوضوح، فإن القانون رقم 10 لسنة 1990 يفتح باب نزع الملكية للمنفعة العامة، لكنه في التطبيق المصري يتحول كثيرا إلى سلطة واسعة تسبقها القرارات وتلحقها اعتراضات ضعيفة.
وعليه، فإن الأهالي لا يحتاجون إلى خطاب رسمي عن التنمية بقدر ما يحتاجون إلى خرائط معلنة، وحصر شفاف، وتقييم عادل، وتعويض مدفوع قبل الإخلاء، وضمان حق الطعن بلا تهديد.
كذلك، ترى الباحثة العمرانية نادين عبد الرازق أن إصلاح نزع الملكية يبدأ من سداد كامل التعويض قبل الإخلاء، ووقف الإخلاء عند الطعن حتى يصدر حكم نهائي يحمي المتضررين.
ومن ناحية أخرى، يؤكد الباحث العمراني يحيى شوكت أن قوانين نزع الملكية تحتاج توازنا بين حق الدولة في تنفيذ المشروعات، وحق السكان في عدم دفع الكلفة الاجتماعية وحدهم.
ثم إن الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري وضع حماية الملكية الخاصة في قلب فلسفة القانون المدني، بما يجعل نزعها استثناء ضيقا لا بابا مفتوحا تتوسع فيه السلطة كلما أرادت.
هكذا، تظهر المشكلة في أن الدولة تتعامل مع الأرض كأنها ملك إداري قابل للنقل، بينما يتعامل معها الأهالي باعتبارها بيتا ورزقا وتاريخا لا يمكن تعويضه بسعر تقديري جاف.
سيناء لا تحتمل تهجيرا جديدا
فضلا عن ذلك، لا يمكن فصل قرار العريش عن سجل أوسع في شمال سيناء، حيث وثقت منظمات حقوقية عمليات هدم وإخلاء واسعة خلال السنوات الماضية بحجة الأمن ومكافحة الإرهاب.
إضافة إلى ذلك، قالت هيومن رايتس ووتش إن عمليات الهدم الواسعة في شمال سيناء أدت إلى تدمير منازل ومزارع ومبان تجارية، وخلقت آثارا إنسانية قاسية على السكان المحليين.
في هذا السياق، تصبح أي خطوة جديدة لنزع الملكية محملة بذاكرة خوف، لأن الأهالي لا يرون القرار مجرد مشروع نقل، بل امتدادا محتملا لمسار طويل من الاقتلاع والغياب.
ومن هنا، فإن بناء سكة حديد في سيناء يمكن أن يكون مشروعا مفيدا إذا احترم الناس، لكنه يصبح عدوانا عمرانيا إذا تجاوز السكان ومر فوق بيوتهم ومزارعهم بلا عدالة.
بالمقابل، لا يرفض أحد مبدأ ربط سيناء بشبكة نقل حديثة، لكن التنمية التي لا تسأل أصحاب الأرض ولا تعوضهم بكرامة تتحول إلى فرض قسري مغلف بلغة وطنية براقة.
فيما بعد، قد تتحرك القطارات فوق القضبان الجديدة، لكن كل رحلة ستحمل سؤالا أخلاقيا موجعا: من دفع ثمن هذا الخط، ومن خسر بيته وزيتونه حتى تكتمل صورة الإنجاز.
كما أن تحويل شمال سيناء إلى مساحة قرارات فوقية يضرب الثقة بين الدولة والسكان، ويجعل أي مشروع جديد مشتبها فيه حتى قبل تنفيذه، لأن التجربة السابقة تركت جرحا مفتوحا.
لذلك، فإن الطريق العادل يبدأ بإعلان أسماء المتضررين ومساحات الأراضي وقيمة التعويضات وآلية الاعتراض، لا ببيان رسمي يضع الناس أمام أمر واقع ثم يطالبهم بتصديق خطاب التنمية.
وختاما، لا تبنى سيناء بالقضبان وحدها، ولا تختصر التنمية في مشروع يمر على حساب الأهالي، فالوطن الذي ينزع الأرض بلا عدالة يمد السكة الحديد ويقطع صلته بالناس.

