كشفت أحدث قراءة لبارومتر الأعمال الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في القاهرة، عن توقع تباطؤ نشاط القطاع الخاص خلال الربع الثاني من 2026، رغم تعهد الحكومة بتمويله 65% من استثمارات موازنة 2026-2027.
وفي المقابل، لا يبدو الرقم الحكومي سوى إعلان سياسي منفصل عن حياة الناس، لأن العامل الذي لا يجد أجراً عادلاً، والمصنع الذي يطارد الكهرباء والأرض والدولار، لا تعنيه شعارات الشراكة بقدر ما تعنيه كلفة البقاء.
استثمار مطلوب ودولة عاجزة عن الاستيعاب
بداية، قال محمد قاسم، رئيس جمعية المصدرين المصريين وعضو مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن الطلب على الاستثمار في مصر يفوق القدرة الحالية على الاستيعاب، محذراً من نقص الأراضي الصناعية المرفقة لاستقبال مشروعات جديدة.
كما أن حديث قاسم يضرب قلب الرواية الرسمية، فالمشكلة ليست غياب المستثمر وحده، بل دولة ترفع لافتة جذب الاستثمار بينما تترك المناطق الصناعية محاصرة بالزحام ونقص المرافق وتنافس المصانع على العمالة نفسها.
لذلك، تتركز الاستثمارات في العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر والإسكندرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بينما تبقى محافظات واسعة خارج الخريطة الإنتاجية، وكأن التنمية امتياز جغرافي لا حق وطني عادل.
ومن ثم، يصبح النمو بين 4% و5% رقماً بارداً إذا لم يتحول إلى وظائف حقيقية وأجور أفضل وقيمة مضافة، لأن الناتج المحلي لا يطعم أسرة ولا ينقذ عاملاً من بطالة مقنعة.
غير أن جنوب مصر، بما يمتلكه من فائض عمالة، يبقى شاهداً على سوء توزيع التنمية، إذ تحتاج الدولة إلى مناطق صناعية جديدة ومراكز تدريب وتأهيل بدلاً من تدوير الاستثمارات حول المدن نفسها.
علاوة على ذلك، تكشف أزمة المرافق خللاً فاضحاً في ترتيب الأولويات، فالدولة أنفقت بكثافة على توليد الكهرباء، لكنها لم تمنح شبكات التوزيع الصناعية الاهتمام نفسه، فتراكم الفائض في الخطاب وعجز المصنع على الأرض.
بناءً على ذلك، يظهر قطاع الغزل والنسيج مثالاً قاسياً، فاستثمار يقارب 520 مليون يورو في تطوير مصانع عامة لم يتحول إلى نهضة إنتاجية واضحة، بينما تستمر الملابس الجاهزة في الاعتماد على أقمشة ومستلزمات مستوردة.
تضخم يأكل السوق وطاقة تكسر الصناعة
في المقابل، سجل بارومتر الأعمال تراجع أداء الشركات خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق والفترة المناظرة، بفعل اضطراب الإمداد وارتفاع الطاقة والمواد الخام وتباطؤ الطلب الخارجي وزيادة كلفة الشحن.
كذلك، توقع التقرير انكماش نشاط القطاع الخاص في الربع الثاني، مع هبوط مؤشر الأداء إلى 47 نقطة بعد 53 نقطة في الربع الأول، وهي قراءة تكشف هشاشة التعافي أمام أي موجة تكلفة جديدة.
ولزيادة الضغط، جاءت الصناعات التحويلية في أضعف موقع بين القطاعات، بسبب تراجع الإنتاج والمبيعات والصادرات، وارتفاع تكاليف التشغيل، بما يعني أن القطاع المفترض أن يقود التشغيل أصبح أول ضحايا السياسات الاقتصادية المرتبكة.
أما إسراء أحمد، الاقتصادي الأول بوحدة بحوث رامبل في شركة ثاندر، فربطت موجة التضخم بطول الحرب واتساعها، وتوقعت متوسط تضخم بين 14% و15% في 2026 إذا لم ترتفع المحروقات وسعر الصرف مجدداً.
إلى جانب ذلك، حذرت أحمد من أن أسعار الطاقة وسعر الصرف وخروج الأموال الساخنة وتكلفة الشحن قنوات مباشرة لتغذية التضخم، وهو ما يدفع الشركات لرفع الأسعار أو تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار.
ومن ناحية أخرى، لا تتحمل الأسر هذه الضغوط كأرقام في تقرير، بل كفاتورة يومية في الطعام والمواصلات والسكن، بينما يتلقى القطاع الخاص الرسالة نفسها في صورة طاقة أغلى وتمويل أصعب ومستهلك أضعف.
مع ذلك، واصلت السياحة والاتصالات والخدمات المالية تسجيل أداء أفضل، مستفيدة من الطلب على السفر والخدمات الرقمية وتداولات البورصة، لكن هذا التحسن لا يعوض ضعف الصناعة ولا يصنع قاعدة إنتاجية قادرة على التشغيل الواسع.
في السياق ذاته، اتجه بعض المستثمرين إلى البورصة كأداة تحوط من التضخم وتآكل القوة الشرائية، وهي حركة تكشف خوف رأس المال من الاقتصاد الحقيقي لا ثقته في توسع إنتاجي مستقر.
ديون تتضخم وتزايد العجز بالميزان التجاري
في ملف المعاملات الخارجية، سجل ميزان المدفوعات عجزاً كلياً بنحو 2.1 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026، رغم صافي تدفقات داخلة بنحو 6.5 مليارات دولار في الحساب الرأسمالي والمالي.
وبالتالي، تكشف الأرقام أن الأموال الداخلة لم تعد كافية لتغطية فجوات الاقتصاد، وأن الاعتماد على تدفقات رأسمالية متقلبة لا يصنع استقراراً، بل يترك الدولة تحت رحمة المخاطر الإقليمية وسلوك المستثمر الأجنبي.
كما بلغ الدين الخارجي 163.9 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام المالي 2025-2026، وهو رقم لا يمكن فصله عن خدمة الدين ولا عن تقليص المساحة المتاحة للإنفاق على الصناعة والتعليم والصحة.
إضافة إلى ذلك، هبطت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية إلى 5.8 مليارات دولار في مارس 2026 مقابل 12.2 مليار دولار في ديسمبر 2025، بما يعكس انسحاب المال الساخن عند أول رائحة خطر.
فضلاً عن ذلك، تراجعت الصادرات المصرية 11% إلى 12.3 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات 12%، فاتسع العجز التجاري إلى 14.6 مليار دولار في الربع الأول من 2026، بزيادة 46% عن العام السابق.
وفي قراءة خارجية موازية، خفض استطلاع رويترز توقعات نمو مصر بفعل حرب إيران وارتفاع الطاقة، ونقل عن باسكال ديفو من بي إن بي باريبا أن بقاء الطاقة مرتفعة سيغذي الضغوط التضخمية.
كذلك، أشار هاري تشامبرز من كابيتال إيكونوميكس إلى أن استمرار صراع الشرق الأوسط وارتفاع النفط سيبقيان الضغط الصعودي على التضخم، وهو ما يعني أن الأزمة ليست طارئة عابرة كما تروج السلطة.
ومن هنا، تصبح دعوة الحكومة لزيادة مساهمة القطاع الخاص تناقضاً مكشوفاً، لأنها تطالبه بتمويل 65% من الاستثمارات بينما تتركه بين أرض غير مرفقة، وطاقة مكلفة، ودولار مضطرب، وطلب محلي ضعيف.
ختاماً، لا يحتاج الاقتصاد المصري إلى خطاب انتصار جديد، بل إلى إنهاء مزاحمة الدولة للقطاع المنتج، وتوجيه الاستثمار للمحافظات المهمشة، وتخفيف تكلفة الطاقة، وضبط التضخم، وربط أي نمو بكرامة العمل لا بزينة المؤشرات.

