قال إران ليرمان نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن، ونائب المدير السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إن معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، التي شكلت ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي على مدى خمسة عقود تقريبًا صمدت أمام الاضطرابات التي أعقبت حرب غزة عام 2023.
مع ذلك، وصف السلام بأنه لا يزال في معظمه "باردًا"؛ فالعداء المصري العميق تجاه إسرائيل لا يزال قائمًا، وغالبًا ما تتعارض تحركات القاهرة الدبلوماسية- لا سيما بشأن القضية الفلسطينية - مع المصالح الإسرائيلية.
وفي الوقت ذاته، أشار إلى تزايد اعتماد مصر على الصين وقوى أخرى في دعم توسعها العسكري الهائل، كما أن تحسن علاقاتها مع تركيا يثير مخاوف بشأن توجهها الاستراتيجي طويل الأمد.
خطط الدفاع المستقبلية
وتابع ليرمان: "بالنسبة لإسرائيل، لا تُشير القدرات المتنامية لمصر بعد إلى عدوان. ومع ذلك، فهي تستدعي إدراجها في خطط الدفاع المستقبلية. يجب على إسرائيل الموازنة بين الردع والتأهب من جهة، والدبلوماسية وطمأنة الأطراف من جهة أخرى. هذا النهج يتجنب تأجيج الشكوك المتبادلة. يتطلب الحفاظ على السلام استمرار مشاركة الولايات المتحدة، والاستفادة من الشركاء الإقليميين كالإمارات العربية المتحدة، والحفاظ على قنوات سياسية مفتوحة مع القاهرة. هذه الخطوات حيوية في ظل الديناميكيات الإقليمية المتغيرة".
وذكر أن الجيش المصري يتألف حاليًا من 13 فرقة و3 فرق للأمن الداخلي. وتتمتع قواته الجوية والبحرية بقوة كبيرة، إذ تضم أكثر من 400 طائرة مقاتلة. ويتم تدريب هذه القوات وتجهيزها مع التركيز على ما يُسمى "الدولة الصغيرة في الشمال الشرقي". ويتزايد الانتشار العسكري والبنية التحتية في سيناء بشكل مطرد، أحيانًا بموافقة إسرائيل، حتى وإن لم تتوافق هذه التغييرات دائمًا مع الملحق العسكري للمعاهدة.
وقال ليرمان: "في الوقت الراهن، لا يبدو أن لهذه التغييرات غرضًا هجوميًا. ولا تزال المساعدات الأمريكية مهمة لمصر وتؤثر في تفكيرها العسكري. ومع ذلك، تتجه مصر بشكل متزايد إلى موردين آخرين، وخاصة الصين، للحصول على الأسلحة".
ومن بين المخاوف الأخرى- التي أشار إليها- "تحسن علاقات مصر مع تركيا. ففي الماضي، أدى دعم الرئيس التركي أردوغان لجماعة الإخوان المسلمين إلى عزل مصر، وإلى مخاوف مشتركة مع إسرائيل واليونان بشأن نوايا تركيا. ومؤخرًا، دفعت المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها مصر والتوترات مع إثيوبيا إلى تقاربها مع تركيا، مما قلل من الثقة مع شركائها الإقليميين السابقين".
واستطرد نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن، ونائب المدير السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قائلاً: "نظرًا لأن إسرائيل تواجه معارك ضارية على جبهات أخرى، فإن هذه التطورات تخلق تحديات استراتيجية جديدة. حتى وإن بدت التحذيرات بشأن مصر سابقة لأوانها، يتعين على إسرائيل الاستعداد للتغيرات المحتملة. تركز مصر على مشاكلها الداخلية، مثل سد النهضة الإثيوبي، وعدم الاستقرار في ليبيا، وخطر الانهيار الاقتصادي".
وأردف: "مع ذلك، لا يمكن لإسرائيل تجاهل القوة العسكرية المصرية المتنامية عند تخطيط قواتها الدفاعية. تحتاج إسرائيل إلى الحفاظ على تفوقها النوعي، بامتلاك جيش كبير متعدد الأفرع يعتمد جزئيًا على الدعم الأمريكي. سيساعد هذا في ضمان الردع والاستعداد على المدى الطويل في مواجهة التحولات غير المتوقعة في السياسات المصرية".
وفي الوقت ذاته، شدد على أنه "ينبغي لإسرائيل أن تكون استباقية في كيفية بناء جيشها، حتى لا تزيد من شكوك مصر أو تُثير رد فعل عسكريًا. لهذه الأسباب، يبقى التواصل السياسي المفتوح مع مصر والتعاون مع الشركاء الأمريكيين والإقليميين أمراً بالغ الأهمية".
معاهدة السلام
قال التحليل إنه منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في القاهرة في 3 يوليو 2013، تطورت العلاقات بين إسرائيل ومصر في ثلاثة مجالات رئيسية. وتتجاوز هذه التغييرات أنماط عهد مبارك.
وأضاف: "لقد ساعدت إسرائيل كثيرًا الولايات المتحدة في وقف الجهود الرامية إلى معاقبة مصر وقطع المساعدات عنها بعد إقالة رئيسها المنتخب"، مشيرًا إلى التعاون الاستخباراتي، بل وحتى العملياتي، مع إسرائيل لدعم الجيش المصري في مواجهة تنظيم داعش في شمال سيناء.
ولم يُعترف بهذا التعاون رسميًا قط. وأشارت تقارير صحفية، من بينها مقال مفصل في صحيفة نيويورك تايمز عام 2019، إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي، بموافقة مصرية وبناءً على طلبها، شنّ غارات على أهداف إرهابية في سيناء.
وبحسب التقرير، فإنه "حتى لو ظل الخطاب العام المصري عدائيًا للغاية تجاه إسرائيل، فإن للنظام مصلحة قوية في تجنب تصعيد التوتر، ولو فقط لأن هناك أمورًا أكثر إلحاحًا تهيمن على جدول الأعمال: النزاع مع إثيوبيا حول ملء سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق؛ والحروب الأهلية المدمرة في السودان وليبيا؛ وقبل كل شيء، إطعام ما يقرب من 110 ملايين شخص".
البعد العسكري
على الرغم مما سبق، ولا سيما النقطة الأخيرة، أي التداعيات الكارثية لحالة الإفلاس شبه الدائم، والتي قد تؤدي إلى العودة إلى صراع مكلف ومدمر من النوع الذي ورثه أنور السادات عن ناصر، فإن هناك جوانب في السلوك المصري، سواء في حشد القوات ونشرها أو في الدبلوماسية، تثير مخاوف بشأن مستقبل معاهدة السلام ونوايا مصر طويلة الأمد تجاه إسرائيل، وفق ما يقول التقرير.
ولفت إلى أنه في الأبحاث الإسرائيلية والخطاب العام، تُسمع أصوات تُضخّم هذه الجوانب إلى حد "التحذير" من أن التدهور إلى أزمة (أو حتى هجوم مفاجئ) بات وشيكًا؛ حتى وإن كان هذا الخوف، في هذه المرحلة، لا أساس له من الصحة، فسيكون من غير الحكمة تجاهل هذه المؤشرات المقلقة.
واعتبر أنّ أكثر المؤشرات إثارةً للقلق تتعلق بحجم التوسع العسكري المصري وتزايد تنوّع مصادر الأسلحة المتطورة. ففي يوليو 2025، أعلنت الإدارة الأمريكية عزمها بيع مصر أنظمة دفاع جوي متطورة على نطاق واسع بقيمة تقارب 4.67 مليار دولار. ولا يزال جزء كبير من الجيش المصري، ولا سيما القوات البرية (دبابات أبرامز وناقلات الجنود المدرعة) والقوات الجوية (طائرات إف-16 ومروحيات أباتشي)، يعتمد على الدعم الأمريكي اللاحق ضمن حزمة المساعدات السنوية القائمة منذ فترة طويلة والبالغة 1.3 مليار دولار.
ويضم الجيش المصري اليوم 13 فرقة (4 مدرعة، والباقي ميكانيكية)، بالإضافة إلى ثلاث فرق للأمن الداخلي وتشكيلات للقوات الخاصة؛ وأكثر من 3800 دبابة، أكثر من ربعها من طراز إم1 إيه أبرامز الأمريكية؛ وقوات جوية تضم أكثر من 400 طائرة مقاتلة، أكثر من نصفها من طراز إف-16.
مصادر التسليح
وفي السنوات الأخيرة، عمدت مصر إلى تنويع مصادر تسليحها، لا سيما لسلاحي البحرية والجوية. وتُعدّ البحرية المصرية الأكبر في الشرق الأوسط، وقد أثارت صفقة شراء أربع غواصات ألمانية جدلاً واسعًا في إسرائيل. كما حصلت البحرية المصرية على أربع فرقاطات ألمانية، وفرقاطتين إيطاليتين، وفرقاطة فرنسية، وست فرقاطات أمريكية. وإلى جانب حاملة مروحيات فرنسية، تسعى مصر إلى شراء اثنتين من روسيا، التي تطمح إلى الحفاظ على نفوذها وشراكتها مع مصر في السياسة الإقليمية، وخاصة في ليبيا.
ووصف التحليل تداعيات مشتريات القوات الجوية بأنها أكثر إثارةً للدهشة: فإلى جانب 54 طائرة رافال فرنسية (24 منها تم شراؤها عام 2015، و30 أخرى عام 2021)، و46 طائرة ميغ-29 روسية، وصفقة متجددة لشراء 50 طائرة مقاتلة خفيفة من طراز FA-50 كورية جنوبية، تتزايد أهمية الصين كمورد للأسلحة (وكذلك كمستثمر وداعم اقتصادي ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، التي تُعدّ مصر ركيزة استراتيجية فيها).
في فبراير 2025، بدأت أولى طائرات J-10CE المقاتلة المتطورة بالوصول إلى مصر، وذلك ضمن صفقة تشمل 40 طائرة تم الاتفاق عليها في صيف 2024. كما تشتري مصر طائرات نقل من طراز شيان Y-20، بمساعدة صينية، وتبني 60 طائرة تدريب من طراز JL-8، وتستحوذ على طائرات بدون طيار صينية متطورة وأنظمة دفاع جوي من طراز HQ-9 (بالتوازي مع مشتريات أمريكية)، مما يثير تساؤلات حول مدى انكشاف التكنولوجيا.
علاوة على ذلك، فإن المناورات الجوية المشتركة غير المسبوقة مع الصين في أبريل/مايو 2025، والتي حملت عنوان "نسور الحضارة 2025" في استعراضٍ واضحٍ للقوة تجاه أمريكا "الشابة" و"غير المثقفة"، وصفها التحليل بأنها تُعدّ إشارةً مقلقةً بشأن التوجه الاستراتيجي لمصر. وقد يؤثر تخفيف النفوذ الأمريكي على مستقبل القوة العسكرية المصرية على نظرة القيادة العسكرية المصرية لأهمية معاهدة السلام و"حزمة كامب ديفيد".
تهديد لإسرائيل
وهلق ليرمان، قائلاً: "بطبيعة الحال، يُقاس تعزيز مصر لقواتها، رغم المعاهدة، بمعيار إسرائيل باعتبارها التهديد المرجعي. صحيح أن السودان وليبيا تُشكلان تحديات في الحكم بسبب أوضاعهما الداخلية، إلا أن أيًا منهما لا يُبرر عمليات استحواذ بهذا الحجم؛ حتى أن الصدام مع إثيوبيا ليس إلا فكرة غير عملية. مع ذلك، من المهم التمييز بين المبررات العسكرية الاستراتيجية والثقل السياسي للمؤسسة العسكرية، التي حكمت مصر فعليًا لأكثر من سبعين عامًا، وأطاحت بجماعة الإخوان المسلمين عام 2013، والتي تُعتبر القوة العسكرية بالنسبة لها جوهرًا ورمزًا لهيمنة الدولة. في هذا السياق، يُعد "التهديد الإسرائيلي" ذريعة أكثر منه سببًا، لكن هذا لا يُبدد المخاوف من أن تُترجم القدرات يومًا ما إلى نوايا حقيقية".
في هذا السياق، وصف التحليل الوجود العسكري المصري وبنيته التحتية في سيناء بأنه يكتسب أهمية بالغة. فبسبب الحرب ضد تنظيم داعش، وافقت إسرائيل في عام 2015 (بشكل صريح، وجُددت موافقتها من حين لآخر تحت مسمى "الأنشطة المتفق عليها") على مضاعفة الوجود العسكري المصري المسموح به في سيناء تقريبًا، بما يتجاوز ما نص عليه ملحق المعاهدة (ليرتفع إلى أكثر من 40 ألف جندي بدلًا من 22 ألفًا). ومنذ أكتوبر 2023، وسط مخاوف من امتداد القتال و/أو نزوح السكان إلى سيناء، جرى تعزيز القوات بشكل أكبر، حيث نُشرت تشكيلات عسكرية على مستوى الكتائب بالقرب من الحدود.
مع ذلك، رأى أن هذه تشكيلات لا تُعدّ على مستوى الفرق أو الفيالق بكل ما يستتبعه ذلك، والجيش المصري ليس مُنظّمًا ولا مُهيّأً لمواجهة قوة الجيش الإسرائيلي في إطار المواجهة التقليدية بين القوات. لطالما أدرك الجيش المصري نقاط ضعفه في "الاشتباك المباشر" في سيناء، نظرًا للتفوق التكنولوجي الإسرائيلي، الذي تجلّى مجددًا. وبالنظر إلى المستقبل، فإن العنصر الأكثر إثارة للقلق هو حجم الاستثمار في البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج - المطارات، والقواعد اللوجستية، وطرق النقل - التي يُمكنها حشد قوات كبيرة بأوامر، تحت غطاء جوي، وبمظلة دفاع جوي متنقلة.
https://jcfa.org/egypts-place-in-israels-national-security-concept/

