طالب مزارعو قصب السكر والموالح في مصر حكومة الانقلاب بوقف تقليص حصص الأسمدة المدعمة، بعد تضرر مساحات واسعة من محاصيل استراتيجية، وسط مخاوف من تراجع الإنتاج وزيادة تكلفة الزراعة.
وبالتالي، لم تعد أزمة الأسمدة خلافا إداريا بين الفلاح والجمعية الزراعية، بل تعبيرا عن سياسة تضغط على المنتج الصغير، وتترك الأمن الغذائي والصادرات رهينة قرارات مرتبكة لا تراعي الموسم ولا الفلاح.
كما أن الفلاح الذي يواجه ارتفاع الوقود والتقاوي والعمالة لا يستطيع تحمل ضربة جديدة في السماد، لأن تقليص الحصة لا يعني توفيرا للدولة، بل نقل الكلفة إلى مزارع محاصر بالسوق الحرة.
تقليص الدعم يطعن محصولا استراتيجيا
لذلك، جاءت استغاثات مزارعي القصب من الصعيد باعتبارها إنذارا مبكرا، لأن المحصول يرتبط بصناعة السكر المحلية، ويحتاج تسميدا منتظما، وأي خفض مفاجئ ينعكس على الفدان والمصنع والأسرة الزراعية معا.
ومن ثم، يؤكد النوبي أبواللوز، الأمين العام لنقابة الفلاحين الزراعيين، أن تقليص حصة القصب يمثل تحديا كبيرا للمزارعين، خصوصا مع ارتفاع مستلزمات الإنتاج، وخطورة ذلك على معدلات الإنتاج المتوقعة.
غير أن الخطورة لا تقف عند حدود الفلاح، لأن قصب السكر محصول ممتد داخل سلسلة صناعية كاملة، تبدأ من الأرض وتنتهي بالمصانع والأسواق، وأي خلل في بدايتها يرفع فاتورة الاستيراد لاحقا.
علاوة على ذلك، فإن تقليص السماد في محصول شره للتغذية يضرب الإنتاجية من جذورها، فالفدان لا يتراجع فجأة بلا سبب، بل يتراجع عندما يحرم من احتياجاته في توقيت حرج.
بناء على ذلك، يصبح الحديث الحكومي عن دعم المحاصيل الاستراتيجية بلا معنى عملي إذا كان الدعم نفسه يتقلص، لأن الفلاح لا يزرع بالبيانات الرسمية، بل بالسماد والماء والسعر العادل.
في المقابل، تقول وزارة الزراعة إن منظومة توفير وتوزيع الأسمدة المدعمة مستمرة، وإن الصرف يتم وفق مقررات معتمدة، لكن أزمة القصب والموالح تكشف أن المشكلة في كفاية الحصة لا في وجودها فقط.
إلى جانب ذلك، فإن الفارق بين السعر المدعم وسعر السوق الحرة يدفع الفلاح إلى مأزق قاس، فكل شيكارة ناقصة من الجمعية تتحول إلى عبء نقدي مباشر على بيته ومحصوله.
الموالح بين التصدير ونقص السماد
ومع ذلك، تبدو أزمة الموالح أكثر حساسية، لأنها لا تتعلق بمحصول محلي فقط، بل بقطاع تصديري يدر عملة أجنبية، ويحافظ على حضور الزراعة المصرية في أسواق خارجية شديدة المنافسة.
فضلا عن ذلك، حذر النوبي أبواللوز من أن نقص المقررات السمادية قد ينعكس على إنتاجية الأشجار وجودة المحصول، وهو ما يضع القدرة التنافسية للموالح المصرية أمام اختبار خطر.
وعليه، فإن حرمان مزارعي الموالح من الحصص المدعمة يضرب أحد أهم أبواب التصدير الزراعي، في وقت تعلن فيه الحكومة أرقاما عن زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة.
كذلك، أعلنت وزارة الزراعة أن الصادرات الزراعية المصرية تجاوزت 5 ملايين طن خلال 2026، مع تصدر الموالح القائمة بأكثر من مليوني طن، وهو رقم يجعل أزمة السماد تهديدا ماليا لا زراعيا فقط.
ثم إن التفاخر بحجم تصدير الموالح يتناقض مع تضييق مدخلات إنتاجها، لأن السوق الخارجي لا يرحم ضعف الجودة، والمنافسون لا ينتظرون مزارعا مصريا يبحث عن شيكارة سماد ناقصة.
ومن ناحية أخرى، يرى حسين عبدالرحمن أبوصدام، نقيب الفلاحين، أن أزمة المقررات السمادية ترتبط بالفارق الكبير بين سعر السماد المدعم وسعر السوق الحرة، ما يجعل التوزيع العادل قضية بقاء.
في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في طلب الفلاح دعما زائدا، بل في حماية حقه في حصة تكفي المحصول، وتمنع انتقاله قسرا إلى سوق حر يلتهم هامش الربح.
كما أن تقليص الحصص يفتح الباب أمام السوق السوداء، لأن نقص المعروض الرسمي يرفع الطلب خارج الجمعيات، ويحول السماد من أداة إنتاج إلى سلعة مضاربة يدفع ثمنها الفلاح والمستهلك.
فشل الإدارة يهدد الأمن الغذائي
إضافة إلى ذلك، يقول الخبير الزراعي جمال صيام إن مصر تحتاج ملايين الأطنان من الأسمدة سنويا، وإن الإنتاج المحلي يمكن أن يغطي الاحتياج، لكن الخلل الحقيقي يظهر في التوزيع والإدارة.
ومن هنا، يصبح الحديث عن عجز الأسمدة ناقصا إذا لم يواجه سؤال التوزيع، لأن الأزمة لا تنشأ فقط من نقص الإنتاج، بل من ضعف الرقابة والجمعيات والتقدير الفعلي لاحتياجات المحاصيل.
على صعيد متصل، تقدم نواب بطلبات إحاطة حول خفض مقررات السماد لفدان القصب، مؤكدين أن التخفيض أثار غضب المزارعين في المحافظات، بعدما مس محصولا يمثل شريان حياة للصعيد.
لكن التحرك البرلماني يبقى قاصرا إذا لم يتحول إلى قرار ملزم يعيد الحصص، لأن الفلاح لا يحتاج خطبا تحت القبة، بل قرارا قبل أن يخسر موسمه.
لزيادة الضغط، تتزامن أزمة السماد مع ارتفاع مستلزمات الإنتاج الزراعي، وهو ما يجعل كل قرار تقليص بمثابة خصم مباشر من دخل الفلاح، ودفع قسري له نحو تقليل الخدمة الزراعية.
وبالمقابل، يؤدي تقليل الخدمة الزراعية إلى انخفاض الإنتاجية والجودة، ثم ترتفع الأسعار على المستهلك، فتتحول سياسة الضغط على الفلاح إلى موجة غلاء مؤجلة يدفعها المواطن لاحقا.
لهذا، فإن دعم الفلاح ليس منحة اجتماعية، بل استثمار في الأمن الغذائي، لأن القصب يحمي صناعة السكر، والموالح تحمي الصادرات، وكلاهما يتضرر عندما تتحول الأسمدة إلى أزمة موسمية.
وفي المحصلة، تكشف أزمة القصب والموالح أن حكومة الانقلاب تدير الزراعة بعقلية الجباية لا بعقلية الأمن الغذائي، وتترك الفلاح بين حصة ناقصة وسوق حرة، ثم تتحدث عن التنمية والاستدامة.
وأخيرا، لا حل حقيقيا إلا بإعادة حصص القصب والموالح، وإعلان جدول صرف واضح، ومحاسبة الجمعيات المتلاعبة، وربط الدعم بالاحتياج الفعلي للمحصول، قبل أن يدفع الفلاح والبلد ثمن موسم ضائع.

