ركابي حسن يعقوب

صحفي وكاتب سوداني

 

بدا مسار صعود محمد حمدان دقلو المشهور بـ"حميدتي" إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري في السودان، شديد الغرابة، إذ إن الرجل لم يكن يملك أي مؤهلات تمكنه من الدخول لساحة العمل السياسي، والتمدد الأفقي والرأسي فيها، والوصول لمؤسسة الرئاسة.

 

الثغرة التي تسلل عبرها لمؤسسة الرئاسة

 

نعم لم يكن ذلك بالأمر السهل، ولكن حميدتي فعلها في حالة يمكن تصنيفها على أنها نادرة وغير مسبوقة في تاريخ السودان. ففي ظرف 7 سنوات فقط منذ أن استطاعت ثورة شعبية الإطاحة بنظام الرئيس البشير في العام 2019، برز اسم حميدتي إلى واجهة الأحداث في ظل فراغ سياسي وأمني واسع وعريض، وكذلك غياب برنامج سياسي واضح المعالم والملامح؛ لسد الفراغ ووراثة نظام البشير، حيث كان شعار الثورة محدودا وغاية في البساطة (تسقط بس)، بمعنى أن سقوط النظام كان هو غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لإحداث تغيير وإصلاح حقيقي وإيجابي ينقل البلاد نحو الأفضل. ولم يكن الشباب الذين تصدوا لقيادة الثورة الاحتجاجية ضد النظام على قدر من الوعي الكافي بما يجب أن يحدث في اليوم التالي للتغيير.

 

وكانت تلكم ثغرة تسللت عبرها شخصيات معارضة بلافتات سياسية وشعارات إصلاحية إلى مقدمة الأحداث ليمثلوا حاضنة سياسية للثورة الوليدة، ويمسكوا بمفاصل الحكم والإدارة، وكان حميدتي من بين هؤلاء (المتسللين)، لكن تسلله لم يأت من باب السياسة، وإنما من ثغرة الأمن، حيث نجح في فرض نفسه عضوا في مجلس السيادة الانتقالي نائبا لرئيس المجلس الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

 

وقد كان على وفاق وتناغم مع البرهان قبل أن تشوب علاقتهما شوائب الخلاف والتنافر في أعقاب ما عرف بالثورة التصحيحية في أكتوبر 2021، وما تلاها من أحداث، حيث بدا حميدتي أقرب إلى المعسكر المدني المعارض للبرهان، والمكون من قوى سياسية تعارض تمدد نفوذ الجيش، وتطالب بعودة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، وتنادي بإعادة هيكلة الجيش السوداني، والدفع بخطة تهدف لإعادة الحكم للمدنيين، اشتهرت بالاتفاق (الإطاري) قدمته هذه القوى للبرهان للموافقة عليه؛ باعتباره الخيار البديل للحرب.

 

لكن كان رد البرهان برفض الاتفاق الإطاري بمثابة نقطة تحول كبرى في العلاقة بين الرجلين، واعتبر حميدتي هذا الرفض تحديا يستوجب المصادمة والمواجهة وانتزاع السلطة بقوة السلاح.

 

فشل خطة الاستيلاء على السلطة واختفاء حميدتي

 

وضع حميدتي خطة للاستيلاء على السلطة عنوة عبر مهاجمة القيادة العامة للجيش السوداني، واعتقال أو تصفية البرهان. وهي خطة حملت بين ثناياها عناصر فشلها.

 

وعقب فشل المحاولة صبيحة الخامس عشر من إبريل 2023، وفي نهار ذلك اليوم وفي مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات الفضائية، قال حميدتي؛ إنهم في الدعم السريع يريدون من البرهان الاستسلام فقط، وإن لم يفعل فإنهم سيرغمونه على ذلك لا محالة، وكان هذا الحديث هو الأخير له قبل أن يختفي ويلف الغموض مصيره.

 

ظهور حميدتي عبر مقاطع مصورة

 

ظهر حميدتي بعد ثلاثة أشهر من المحاولة الانقلابية عبر خطاب مصور دارت حوله شكوك كثيرة تزعم أنه مولّد عن طريق تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث ساد اعتقاد واسع وتواترت أنباء من مصادر مختلفة- بعد حديث حميدتي في المقابلة التلفزيونية في اليوم الأول للمحاولة الانقلابية- أنه قد قتل بغارة جوية هو ومرافقوه داخل العاصمة الخرطوم. وهناك رواية أخرى كانت تقول إنه أصيب إصابة بالغة جعلته عاجزا عن الحركة.

 

لكن الاعتقاد الأكثر شيوعا كان أنه قد لقي مصرعه هو وحرسه الخاص، وأن قيادة الدعم السريع تتعمد التكتم على ذلك؛ خشية انفراط عقد القوات، وبالتالي الفشل والهزيمة في وقت مبكر.

 

وساد هذا الاعتقاد في أوساط السودانيين حتى داخل أروقة الدعم السريع نفسها؛ بسبب التكتم الشديد المفروض على حالته، والحرص على عدم تسرب أية معلومات عن حالته ووضعه الصحي، قبل أن تتواتر أنباء لاحقا بثتها غرف الدعاية التابعة للدعم السريع بأنه حي يرزق، وأنه يمارس مهامه القيادية في الميدان مع قواته داخل السودان، وعرضت صور وفيديوهات اتضح أنها معالجة بتقنية الذكاء الاصطناعي وليست حقيقية؛ مما زاد الشكوك حول حقيقة مصيره هل هو حي ومصاب إصابة بالغة، أم ميت تحت التراب؟

 

وتتزايد هذه الشكوك كلما تنشر صور وفيديوهات مسجلة له دون أن تكون منقولة في بث حي ومباشر، وآخرها تلك المشاهد التي بثت لحميدتي في السابع من الشهر الحالي، قيل إنه يتفقد فيها سير امتحانات الشهادة الثانوية في دارفور في أحد مراكز الامتحانات بمدينة نيالا جنوب دارفور والتي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، حيث ظهر وهو يقرع جرس الإيذان ببداية الامتحانات التي تنظمها سلطة الدعم السريع بالمدينة، ولاحقا تبين أن من بين من ظهروا في الصورة أشخاصا لم يكونوا موجودين أصلا بالمدينة في ذلك التوقيت.

 

تباين السرديات حول حياة حميدتي

 

هناك 3 سرديات متباينة حول حياة حميدتي على النحو التالي:

 

غرف الإعلام التابعة للدعم السريع لديها سردية تقوم على التأكيد المستمر على أنه حي يرزق، وفي كامل صحته، ويدير شؤون قواته بصورة طبيعية، ويتواجد في مناطق سيطرتها داخل السودان، وأنه لا صحة لما يشاع عن موته، أو تعرضه لإصابات بليغة، وأن ندرة ظهوره تعود إلى أسباب تأمينية لا غير.

وهذه السردية لا تجد لها رواجا، ويعتبرها الكثيرون مجرد دعاية تهدف إلى إخفاء الحقيقة، ومحاولة يائسة من قيادة الدعم السريع لبث الطمأنينة في نفوس القادة الميدانيين وأفراد القوات في جبهات القتال؛ رفعا لروحهم المعنوية وتماسكهم الداخلي.

 

بالمقابل هناك سردية مناقضة ومضادة لسردية الدعم السريع، وهي شائعة على نطاق شعبي واسع، تؤمن بأن حميدتي لقي مصرعه في الأسبوع الأول للحرب إثر ضربة من سلاح الطيران السوداني تعرض لها موكبه في اليوم الأول من الحرب، توفي بعدها بأيام قلائل، وأن ما يعرض له من صور وفيديوهات هي من إنتاج غرف الإعلام والدعاية التابعة لقوات الدعم السريع، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

ويستند هؤلاء إلى أحاديث وإفادات عديدة تؤكد مقتل حميدتي، وأبرزها ما أدلى به سفير السودان لدى ليبيا بعد 4 أشهر من الحرب من تصريحات في لقاء تلفزيوني أكد فيها بشكل قاطع أن حميدتي قد قتل.

 

وتجد هذه السردية قبولا واسعا وهي الأكثر شيوعا حتى الآن رغم الظهور المتكرر لحميدتي من وقت لآخر من خلال صور وتسجيلات صوتية وفيديوهات منسوبة له.

 

وهناك سردية ثالثة أوسع انتشارا من سردية الدعم السريع، وأقل ذيوعا من السردية الثانية التي تقضي بمصرع حميدتي، وهي سردية تتبناها مصادر وجهات محايدة تقوم على فرضية أن حميدتي على قيد الحياة، لكنه في وضع صحي معتل يعيق ظهوره بصورة طبيعية كقائد عسكري يفترض أن يكون ظهوره بين قواته وعلى جبهات القتال عملا روتينيا ومتكررا، مثلما هو الحال بالنسبة للبرهان الذي يمارس مهامه الرئاسية بجانب مهام قيادته للجيش، ويظهر باستمرار وسط جنود وضباط الجيش السوداني بصورة عادية .

 

حميدتي في حالة تنقل حذر ومستمر

 

أصحاب هذه السردية يقولون إن حميدتي يعيش في حالة تنقل مستمر بين قواته وقواعده الميدانية وفي مناطق نفوذه في دارفور، ولكن بحذر شديد ووفق نظام تأمين وحراسة مشددة ومحاطة بسرية بالغة، لذلك لا توجد له مقار إقامة ثابتة، ومعلنة بل يتنقل بصورة سرية ويدير المعارك والعمليات من غرف قيادة سرية ومحصنة، وأنه يستخدم وسائل اتصال مشفرة ومحدودة الدائرة، ولا يستقر بمكان واحد لفترة طويلة.

 

كما يعتمد على التمويه في حركته ويسافر بصورة متكررة من مكان إقامته بإحدى العواصم الداعمة له إلى عواصم أفريقية تفتح أراضيها لتمرير الدعم اللوجيستي لقواته، حيث يجري فيها لقاءات سياسية ودبلوماسية مع الجهات الداعمة له في هذه العواصم، أو مع شخصيات من عواصم أخرى تفضل الالتقاء به في هذه العواصم الأفريقية لإبعاد شبهة التعاون معه، بينما يوكل أمر القيادة الميدانية المباشرة للعمليات لأخيه غير الشقيق عبد الرحيم دقلو.

 

إفادات القادة المنشقين عن الدعم السريع

 

تعضد إفادات كل من القائدين الميدانيين اللذين انشقا من قوات الدعم السريع مؤخرا وهما "النور القبة" و"السافنا" هذه السردية، فقد أدليا بإفاداتهما في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الخرطوم، كل على حدة حيث أكدا أن حميدتي على قيد الحياة، وأنه يتنقل بعدد من العواصم الأفريقية من دول جوار السودان.

 

وقال السافنا إنه التقى حميدتي قبل شهر من إعلانه الانشقاق في العاصمة الكينية نيروبي، وإنه اعترف له بأنه لم يعد يسيطر على مجريات الأمور الميدانية، وقد "خرجت من يده بالكامل"، ولم يعد ملما بتفاصيل وضع قواته وهيكليتها. وأشار إلى أن حميدتي أصبح دمية تحركه أيادٍ أجنبية يأتمر بأمرها، ولا يجرؤ على مخالفتها؛ لأنه يعلم عاقبة ذلك، وهي التصفية الجسدية.

 

سردية مقتل حميدتي هي الأضعف

 

وتبدو هذه السردية الأخيرة هي الأكثر وجاهة من بين السرديات الأخرى، حيث إن سردية مقتله في الأيام الأولى للحرب لم يتم تعضيدها وتأكيدها بدليل قاطع ملموس، كما أن سردية غرف الدعاية والإعلام التابعة للدعم السريع تفتقد بصورة واضحة إلى المصداقية والمنطقية، وفيها قدر كبير من المبالغة والزيف ويسهل تفنيدها.

 

حميدتي صعود ماكوكي وسقوط مدوٍ

 

أيا كان الأمر فإن حميدتي هو من أكثر الشخصيات التي مرت على مسرح السياسة والمجتمع، إثارة للجدل في تاريخ السودان، ويمثل صعوده الماكوكي من دور الكومبارس إلى دور البطولة، ومن السفح إلى القمة في فترة وجيزة- في بلد تتميز ساحته السياسية بالتعقيد وتضم لاعبين وفاعلين سياسيين ذوي خبرة سياسية ثرية وتأهيل أكاديمي رفيع وصيت واسع وشهرة تعدى أثرها المستوى المحلي إلى المستويين الإقليمي والدولي- ظاهرة تستوجب الدراسة، فكل من الصعود والسقوط حدثا بسرعة، لكنهما خلفا وضعا كارثيا ستستمر آثاره السالبة لعقود وتركا بصمات شديدة القتامة على صفحات تاريخ السودان الحديث.

 

طموح جامح وحصاد مر

 

صعد حميدتي من أسفل الدرج من تاجر إبل مغمور يعيش متنقلا في فلوات دارفور وصحاري دول الجوار الأفريقي، إلى مؤسسة الرئاسة في قلب العاصمة في مقعد الرجل الثاني بالدولة، متخطيا عددا كبيرا من رموز السياسة والمجتمع ذوي الأهلية والنفوذ، ثم السقوط السريع وبنفس الوتيرة مرة أخرى، لكن هذه المرة إلى المجهول.

 

فكل المؤشرات تقول إنه لن تقوم للرجل قائمة مرة أخرى بعدما أذاق السودانيين المر وأورث البلاد الخراب والدمار؛ بسبب طموحه الجامح للصعود إلى قمة هرم السلطة والرئاسة بقوة السلاح، وعن طريق صناديق الذخيرة، مستندا إلى حفنة من قوى سياسية انتهازية هشة نبتت في مستنقع فوضى سياسية عمت البلاد عقب إزاحة نظام البشير، وحدوث فراغ عريض عجزت هذه القوى السياسية عن ملئه بجدارة.