كشف المسح القومي للصحة النفسية في مصر، الذي أجرته وزارة الصحة بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن نحو 25% من المصريين يعانون اضطرابات نفسية، بينما يتلقى العلاج 0.4% فقط.

 

وبالتالي، لا تكشف الأرقام أزمة صحية فقط، بل تفضح دولة تترك ملايين المواطنين بين الوصمة والفقر والمرض، ثم تتعامل مع الصحة النفسية كملف هامشي لا يستحق تحركا يناسب حجم الكارثة.

 

كما أن تجاهل المسح إعلاميا منذ نشره يطرح سؤالا قاسيا عن مجتمع يخاف تسمية المرض النفسي باسمه، وعن حكومة تفضل دفن رأسها في الرمال بدلا من بناء منظومة علاج حقيقية.

 

لذلك، فإن إعادة فتح الملف اليوم ليست ترفا صحفيا، بل ضرورة سياسية وإنسانية، لأن المرض النفسي لا يختفي بالإنكار، ولا يعالج بالوعظ، ولا تسقط مسؤوليته عن الدولة بالصمت الاجتماعي.

 

ومن ثم، يجب قراءة المسح بوصفه إنذارا مبكرا تأخر التعامل معه، خصوصا أنه شمل نحو 25 ألف أسرة في الريف والمدينة، بمشاركة 250 باحثا وإشراف 20 طبيبا نفسيا.

 

رقم صادم لكنه ليس استثناء عالميا

 

غير أن نسبة 25% تبدو للوهلة الأولى صادمة، لأنها تعني أن واحدا من كل 4 مصريين تقريبا مر بأزمة نفسية أو اضطراب نفسي خلال الفترة السابقة على المسح.

 

علاوة على ذلك، أظهر المسح أن الاضطرابات لم تكن عابرة أو قصيرة الأمد فقط، بل شملت حالات مستمرة لمدة سنة، وهو ما يجعل الأزمة أكثر عمقا من مجرد ضغوط يومية مؤقتة.

 

بناء على ذلك، تصدر الاكتئاب قائمة الاضطرابات الأكثر انتشارا، وجاء بعده إدمان المواد المخدرة، بما يكشف علاقة معقدة بين الألم النفسي، والهروب الكيميائي، وتدهور القدرة على طلب المساعدة.

 

في المقابل، لا ينبغي التعامل مع الرقم المصري كاستثناء كامل، لأن بيانات عالمية موثوقة تضع انتشار الاضطرابات النفسية في بلدان عديدة حول 20% أو أكثر بين البالغين.

 

ثم إن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الصحة النفسية حق أساسي وجزء من قدرة الإنسان على العمل والتعلم والإسهام في المجتمع، لا رفاهية طبقية ولا ترفا لأهل المدن.

 

كذلك، تشير بيانات السعودية إلى أن واحدا من كل 4 مشاركين في مسحها الوطني عانى اضطرابا نفسيا في مرحلة ما، بينما أظهرت إنجلترا معدلات مرتفعة للاضطرابات النفسية الشائعة.

 

وفوق ذلك، فإن الولايات المتحدة سجلت عشرات الملايين من البالغين المصابين بأي مرض نفسي سنويا، ما يثبت أن انتشار المرض النفسي ظاهرة عالمية، لكن الفارق الحقيقي يكمن في العلاج.

 

فجوة علاجية تفضح المنظومة

 

من ناحية أخرى، تكمن الكارثة المصرية في الفجوة العلاجية لا في الانتشار وحده، فالمسح يقول إن 0.4% فقط من المصابين تلقوا علاجا، أي 4 أشخاص من كل 1000.

 

غير أن هذا الرقم لا يعني نقصا بسيطا في الوصول إلى الخدمة، بل انهيارا شبه كامل في قدرة النظام الصحي على اكتشاف المرضى، وكسر الوصمة، وتقديم علاج نفسي متاح وآمن.

 

إضافة إلى ذلك، أقر إطار التعاون بين منظمة الصحة العالمية ومصر بأن خدمات الصحة النفسية تواجه نقصا في المتخصصين والخبرة، وضعفا في الوعي العام، ووصمة اجتماعية تعرقل طلب العلاج.

 

كما أن الدكتورة منن عبد المقصود، الأمين العام للصحة النفسية وعلاج الإدمان، أكدت في تصريحات منشورة أن 24.7% من المصريين يعانون أعراضا نفسية، بينما يتلقى العلاج 0.4% فقط.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن المقارنة الدولية قاسية للغاية، لأن السعودية تسجل نسبا أعلى بكثير في طلب العلاج بين المصابين، بينما تتعامل دول أخرى مع العلاج النفسي كجزء من الرعاية الصحية.

 

لذلك، لا يكفي أن تنشر الدولة مسحا ضخما ثم تتركه على الرف، لأن البيانات التي لا تتحول إلى مستشفيات وعيادات وحملات توعية وسياسات تمويل تصبح شهادة إدانة مؤجلة.

 

ومن ثم، فإن وزارة الصحة مطالبة بإعلان ما فعلته منذ 2021، هل زادت الأسرة النفسية، وهل وسعت العيادات المجتمعية، وهل أدمجت العلاج النفسي في الرعاية الأولية فعليا.

 

الفقر والريف والوصمة

 

في السياق نفسه، يهدم المسح تصورا شائعا بأن المرض النفسي مرض المدينة أو الطبقة المرفهة، إذ يشير إلى انتشاره في الريف وارتفاعه بين الفئات الأقل دخلا بصورة تستحق التوقف.

 

على الجانب الآخر، تكشف هذه النتيجة أن المرض النفسي لا ينفصل عن السكن والعمل والدخل والخوف اليومي، فالفقر ليس مجرد رقم اقتصادي، بل ضغط مزمن يأكل الجسد والعقل معا.

 

علاوة على ذلك، يؤكد الدكتور أحمد عكاشة أن وصمة المرض النفسي تفاقمت حين نُسبت الاضطرابات إلى نقص الإيمان أو الأرواح الشريرة، بدلا من التعامل معها كأمراض لها علاج.

 

بناء على ذلك، تصبح حملات التوعية ضرورة علاجية لا حملة علاقات عامة، لأن ملايين الناس لا يذهبون للطبيب خوفا من العار، أو جهلا بالأعراض، أو عجزا عن تحمل التكلفة.

 

غير أن ربط المرض النفسي بالدين أو الضعف الأخلاقي يقتل المرضى مرتين، مرة حين يعانون في صمت، ومرة حين يمنعهم المجتمع من طلب المساعدة الطبية في الوقت المناسب.

 

كما أن الدكتور هشام رامي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس والأمين العام السابق للصحة النفسية، يمثل صوتا مهنيا مهما في الدعوة لتوسيع الوعي والخدمات المتخصصة بعيدا عن الوصم.

 

وبالتالي، فإن الأزمة لا تحتاج إنكارا ولا استعراضا حكوميا، بل خطة وطنية معلنة، تبدأ من المدارس والوحدات الصحية والإعلام، وتتعامل مع الاكتئاب والإدمان والقلق كقضايا صحة عامة.

 

وفي النهاية، فإن 25% من المصريين ليسوا رقما في دراسة قديمة، بل ملايين البشر الذين يحتاجون علاجا وكرامة واعترافا، بينما دفن الرؤوس في الرمال لن يصنع مجتمعا سليما.