أعاد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة خلط الأوراق أمام حكومة السيسي، التي كانت تأمل في الاستفادة من تراجع الفائدة العالمية للحصول على تمويلات خارجية أقل كلفة. وبينما تؤكد الحكومة أنها لا تحتاج إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، تتزايد التقديرات الاقتصادية التي تشير إلى أن القاهرة قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن صيغة جديدة للتعاون مع الصندوق، ليس فقط للحصول على تمويل مباشر، بل للاستفادة من "شهادة الثقة" التي يمنحها للمؤسسات والدول المقرضة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه مصر احتياجات تمويلية ضخمة، تشمل تغطية فاتورة واردات الطاقة التي يُتوقع أن تصل إلى 13.5 مليار دولار خلال العام المالي 2026-2027، إلى جانب تمويل العجز التجاري وسداد أقساط وفوائد الديون التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق العام.
صندوق النقد.. شريك تمويلي أم شهادة ثقة؟
ورغم زعم رئيس وزراء السيسي الدكتور مصطفى مدبولي أن مصر ليست بحاجة إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد بعد انتهاء البرنامج الحالي نهاية العام، فإن خبراء اقتصاديين يرون أن الأمر لم يعد مرتبطاً بالحصول على قرض إنقاذ جديد، بل بالحاجة إلى شريك دولي يمنح الاقتصاد المصري مصداقية أكبر أمام المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية.
ويشير اقتصاديون إلى أن أي تفاهم جديد قد يأتي في صورة برنامج احترازي أو آلية تمويل مرنة تركز على الإصلاحات الهيكلية دون اللجوء إلى برامج إنقاذ تقليدية. وإذا حدث ذلك، فسيكون الاتفاق الخامس بين مصر والصندوق خلال عشر سنوات، بعد اتفاقات أعوام 2016 و2020 و2022 و2024.
ضغوط متزايدة على مصادر الدولار
ورغم التحسن النسبي في سعر صرف الجنيه خلال الأسابيع الماضية، فإن مصادر النقد الأجنبي الرئيسية ما زالت تواجه تحديات كبيرة. فإيرادات قناة السويس لم تستعد كامل عافيتها بعد اضطرابات البحر الأحمر، كما تبقى السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وخدمات التعهيد عرضة للتأثر بأي تصعيد جيوسياسي في المنطقة.
كما أن استمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة يحد من تدفقات الاستثمارات قصيرة الأجل، بينما يواصل القطاع الخاص معاناته من ارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل، الأمر الذي ينعكس على معدلات النمو والاستثمار.
وفي المقابل، تدّعي حكومة السيسي أنها تستهدف رفع إسهام القطاع الخاص إلى أكثر من 65% من النشاط الاقتصادي بحلول عام 2030، من خلال الإصلاحات الضريبية والإجرائية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
فجوة تمويلية كبيرة رغم تحسن المؤشرات
ويرى خبراء أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يلغي حجم التحديات التمويلية التي تواجهها البلاد. فرغم حصول مصر على تمويلات وقروض جديدة من شركاء دوليين، فإن الفجوة التمويلية لا تزال تُقدّر بما بين 40 و50 مليار دولار خلال العام المالي الجديد.
كما تشير تقارير دولية إلى تحسن نسبي في مؤشرات المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري، مدعوماً بزيادة الإيرادات الضريبية وسداد جزء من مستحقات شركات النفط الأجنبية وتراجع تكلفة التأمين على الديون السيادية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2020.
لكن في المقابل، ما زالت المؤسسات المالية الدولية تحذر من استمرار نقاط ضعف هيكلية، أبرزها ارتفاع الدين الخارجي، والاعتماد على الأموال الساخنة، وتزايد أعباء خدمة الدين، وضعف بعض مصادر العملة الأجنبية.
القطاع الخاص يدفع ثمن الأزمة
ولا تنفصل أزمة التمويل عن أوضاع القطاع الخاص الذي يعاني تباطؤاً واضحاً. فقد أظهرت بيانات البنك الدولي تراجعاً حقيقياً في مبيعات الشركات المصرية خلال عام 2025 نتيجة ضعف الطلب وارتفاع التضخم، فيما سجلت شركات القطاع الخاص غير النفطي أسرع وتيرة لتسريح العمالة منذ عام 2020.
وتكشف البيانات أن نسبة محدودة فقط من استثمارات الشركات يتم تمويلها عبر البنوك، بينما تستحوذ الحكومة على الحصة الأكبر من الائتمان المصرفي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت استثمارات البنوك في أذون وسندات الخزانة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما حدّ من قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل اللازم للتوسع والنمو.
الدين والطاقة.. التحدي الأكبر
ويؤكد خبراء التمويل أن مصر لم تعد تواجه أزمة سيولة دولارية حادة كما حدث في عامي 2023 و2024، لكنها انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في كيفية تأمين احتياجاتها التمويلية الضخمة بتكلفة معقولة.
وتشير بيانات الموازنة الجديدة إلى أن فوائد الدين العام ستصل إلى نحو 2.42 تريليون جنيه، بينما تبلغ أقساط القروض المستحقة نحو 2.81 تريليون جنيه، ما يعني أن خدمة الدين وحدها تتجاوز خمسة تريليونات جنيه.
وفي قطاع الطاقة، تتزايد الضغوط مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد. وتقدّر الحكومة فاتورة واردات الطاقة خلال العام المالي المقبل بنحو 13.5 مليار دولار، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 10.5 مليارات دولار، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار الطاقة العالمية تضيف نحو 900 مليون دولار إلى العجز التجاري.
احتياطي قوي ومخاوف مستمرة
ورغم ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 52 مليار دولار، فإن ميزان المدفوعات ما زال يعاني من ضغوط واضحة. فقد سجل الحساب الجاري عجزاً يقترب من 9.5 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026، في حين تراجعت تدفقات رؤوس الأموال مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 164 مليار دولار، وسط زيادة مستمرة في أعباء خدمته، بينما تراجعت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية بصورة ملحوظة، ما يعكس استمرار الحذر تجاه الأسواق الناشئة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
ويحذر اقتصاديون من أن التحديات لا تقتصر على الديون الحكومية المباشرة، بل تشمل أيضاً ما يعرف بـ"الديون شبه السيادية" المرتبطة بالهيئات والشركات العامة في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل، وهي التزامات قد تتحول إلى أعباء مباشرة على الخزانة العامة في حال تعثر الجهات المدينة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن العلاقة مع صندوق النقد الدولي ستظل عاملاً أساسياً في استراتيجية التمويل المصرية خلال السنوات المقبلة، ليس بسبب قيمة القروض التي يوفرها الصندوق فحسب، بل لأنه يمثل بوابة عبور نحو تمويلات خارجية أقل تكلفة ويمنح الاقتصاد المصري قدراً أكبر من الثقة في مرحلة تتسم بارتفاع الفائدة العالمية وتزايد المخاطر الجيوسياسية.

