تشهد منطقة بورغنستوك السويسرية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً مع انطلاق جولة جديدة من المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل حضور وفود رفيعة المستوى من الجانبين إلى جانب وسطاء إقليميين ودوليين، بينما تتقاطع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية على طاولة الحوار، وسط رهانات كبيرة على إمكانية تحقيق اختراق في عدد من القضايا العالقة بين الطرفين.

 

وأعلنت وزارة الخارجية السويسرية أن الوفد الأمريكي برئاسة جي دي فانس والوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف وصلا إلى مقر المباحثات في منطقة بورغنستوك، حيث يشارك كذلك وسطاء من قطر وباكستان في الاجتماعات الجارية بين الجانبين.

 

وتأتي هذه الجولة من المحادثات في وقت حساس تشهده المنطقة، مع استمرار التوترات السياسية والأمنية في عدة ساحات إقليمية، الأمر الذي دفع الأطراف المشاركة إلى التركيز على عدد من الملفات ذات الأولوية، وفي مقدمتها وقف الصراعات المشتعلة في المنطقة وإعادة تفعيل التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الجولات السابقة.

 

وساطة قطرية وباكستانية


وبحسب المعطيات المتوافرة، فإن قطر وباكستان تضطلعان بدور الوساطة الرئيسية في هذه الجولة، حيث وصل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى سويسرا للمشاركة في الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن.

 

وأفادت وسائل إعلام إيرانية ببدء الاجتماعات التمهيدية التي تجمع ممثلين عن إيران والولايات المتحدة إلى جانب الوفدين القطري والباكستاني، فيما ذكرت تقارير إعلامية أن رئيس الوزراء الباكستاني عقد لقاءات منفصلة مع الوفدين الإيراني والأمريكي في إطار التحركات الدبلوماسية المصاحبة للمفاوضات.

 

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن جدول أعمال اليوم يتضمن لقاءات ثنائية صباحية مع الوفدين القطري والباكستاني بصفتهما وسيطين، على أن تُعقد لاحقاً جلسة رباعية تضم إيران والولايات المتحدة وقطر وباكستان.

 

طهران: وقف الحروب أولوية المفاوضات


وأكد بقائي أن الملف الأكثر أهمية بالنسبة للوفد الإيراني يتمثل في تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم السابقة، والذي ينص على وقف الحروب والتوترات في مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية.

 

وقال إن الولايات المتحدة "لم تتمكن أو لم ترغب حتى الآن" في تنفيذ هذا البند، معتبراً أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يمثل عقبة رئيسية أمام تنفيذ التفاهمات السابقة.

 

وأضاف أن هذه القضية تشكل المحور الأساسي للنقاشات الحالية، مشيراً إلى أن طهران تنظر إليها باعتبارها اختباراً عملياً لمدى جدية الجانب الأمريكي في الالتزام بما تم الاتفاق عليه خلال المراحل السابقة من الحوار.

 

تمسك إيراني بحق التخصيب


وفي موازاة المفاوضات الجارية، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده لن تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، مؤكداً أن هذا الملف يمثل أحد الثوابت الوطنية التي لا يمكن التفاوض بشأنها.

 

وقال بزشكيان إن إيران تعتبر حق التخصيب جزءاً أساسياً من حقوقها السيادية، مضيفاً أن الطرف الآخر بات مضطراً للاعتراف بهذا الحق وقبوله في أي تفاهمات مستقبلية.

 

وأشار إلى أن موازين التفاوض شهدت تغيراً خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن ما وصفه بتعاظم القدرات الدفاعية والعسكرية الإيرانية ساهم في تغيير قواعد التعامل مع طهران وفرض معادلات جديدة على الساحة الدولية.

 

رسائل عسكرية بالتزامن مع الحوار


وبينما تتواصل الاجتماعات السياسية والدبلوماسية في سويسرا، حرصت طهران على توجيه رسائل تؤكد استمرار جاهزيتها العسكرية، وقال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد إن القوات المسلحة الإيرانية في أعلى درجات الاستعداد خلال فترة المفاوضات، مؤكداً أن "الأيدي على الزناد" وأن المؤسسات التنفيذية مطالبة بالعمل وفق سيناريوهات متعددة وعدم ربط قراراتها بنتائج المحادثات الجارية.

 

الضغوط الاقتصادية حاضرة على الطاولة


وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المباحثات السياسية، برز الملف الاقتصادي بقوة في تصريحات الرئيس الإيراني الذي تحدث عن التحديات المعيشية التي تواجهها البلاد.

 

وأكد بزشكيان أن استمرار معدلات التضخم المرتفعة بين 40 و60 بالمئة يمثل تحدياً لا يمكن تجاهله، مشيراً إلى أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين يتطلب تحركاً حكومياً عاجلاً وإصلاحات اقتصادية حقيقية.

 

وأوضح أن الفئات الأكثر تضرراً من التضخم تشمل أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والعاطلين عن العمل، مؤكداً التزام حكومته بتحسين الظروف المعيشية وضبط الأسعار وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.