تصاعدت حدة الانتقادات داخل إسرائيل ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية الاتفاق المبرم بين واشنطن وطهران، وسط موجة غضب سياسية وإعلامية اعتبرت أن التفاهم الأمريكي الإيراني يمثل تراجعًا في قدرة تل أبيب على التأثير في قرارات الإدارة الأمريكية، وفتح الباب أمام أزمة غير مسبوقة في العلاقات بين الجانبين.

 

ولم تقتصر الانتقادات الإسرائيلية على ترامب وحده، بل امتدت إلى نائبه جي دي فانس، بعد تصريحات أمريكية انتقدت مواقف مسؤولين إسرائيليين تجاه الاتفاق مع إيران، فيما حمّل معارضون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية الوصول إلى ما وصفوه بـ"الكارثة السياسية" في العلاقات مع واشنطن.

 

وفي خضم الجدل المتصاعد، شن الحاخام الإسرائيلي شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد وعضو مجلس الحاخامية العليا، هجومًا على الرئيس الأمريكي، رافضًا تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن أهمية الدعم الأمريكي لإسرائيل.

 

وقال إلياهو إن الشعب الإسرائيلي "صمد آلاف السنين دون ترامب"، مضيفًا أن إسرائيل ستواصل طريقها بعده أيضًا، في رسالة عكست حالة الاستياء المتزايدة لدى قطاعات إسرائيلية من مواقف الرئيس الأمريكي الأخيرة.

 

وكان ترامب قد صرح في مقابلة مع موقع "أكسيوس" بأن إسرائيل لم تكن لتصمد لولا دعمه، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من شخصيات إسرائيلية رأت في التصريحات تقليلًا من دور الدولة ومؤسساتها.

 

عضو بالليكود يتخلى عن رمز حركة ترامب


وفي مؤشر على تصاعد التوتر داخل معسكر نتنياهو نفسه، ظهر عضو الكنيست عن حزب الليكود حانوخ ميلفيديسكي في مقطع فيديو نشره عبر منصة "إكس"، وهو يخلع قبعة تحمل شعار حركة "ماغا" المؤيدة لترامب.

 

وقال ميلفيديسكي إن القبعة "لم تعد مناسبة حقًا"، قبل أن يلقيها جانبًا ويرتدي قبعة تحمل شعار أنصار نتنياهو "النصر المطلق"، في إشارة إلى تفضيله التركيز على التيار اليميني الإسرائيلي بدلًا من الاعتماد على الدعم السياسي الأمريكي.

 

تصريحات فانس تشعل مواجهة جديدة مع تل أبيب


وزادت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من حدة الجدل، بعدما انتقد مسؤولين إسرائيليين هاجموا التفاهم بين واشنطن وطهران، وقال فانس إن جزءًا كبيرًا من الأسلحة التي ساعدت في حماية إسرائيل خلال الفترة الماضية تم إنتاجها في الولايات المتحدة وبتمويل من دافعي الضرائب الأمريكيين، مؤكدًا أنه لا يمنح الثقة الكاملة لأي دولة عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية.

 

صحفي إسرائيلي: مكانة إسرائيل في واشنطن تهتز


وقال الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، من صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن تصريحات فانس حملت لهجة غير مسبوقة تجاه حكومة إسرائيل.

 

وأضاف أن "دقيقة وعشرين ثانية" من حديث نائب الرئيس الأمريكي كشفت حجم التوتر القائم بين واشنطن وتل أبيب، مشيرًا إلى أن مستوى الغضب الأمريكي الحالي لم يظهر حتى خلال فترات الخلافات السابقة مع رؤساء حكومات إسرائيلية.

 

واعتبر بيرغمان أن هذه التصريحات تعكس تراجع مكانة إسرائيل داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الماضية.

 

ليبرمان يهاجم نتنياهو: من أزمة أمنية إلى كارثة سياسية


من جانبه، وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان انتقادات حادة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، محملًا إياه مسؤولية تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة.

 

وقال ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، إن نتنياهو نقل إسرائيل من "أكبر كارثة أمنية في تاريخها" إلى "أثقل كارثة سياسية تواجهها منذ تأسيس الدولة".

 

وأضاف أن الوضع الحالي جعل الرئيس الأمريكي يشرح أسباب ضرورة استمرار إيران في امتلاك قدرات صاروخية، معتبرًا أن ذلك يمثل فشلًا في إدارة العلاقة مع الحليف الأكبر لإسرائيل.

 

انتقادات إعلامية: الاتفاق صفعة لنتنياهو


بدورها، اعتبرت الصحفية الإسرائيلية إيريس ليال أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تمثل "استسلامًا كاملًا" من جانب ترامب لطهران، ورأت أنها تشكل ضربة سياسية لنتنياهو وفرصه المستقبلية.

 

ووجهت ليال انتقادات لأنصار رئيس الوزراء الإسرائيلي، متسائلة عما إذا كانوا ما زالوا يعتقدون أن فوز ترامب بالرئاسة كان أفضل لإسرائيل، بعد التطورات الأخيرة في الملف الإيراني.

 

تحذيرات من "هوة تاريخية" مع واشنطن


وفي السياق ذاته، قال الصحفي الإسرائيلي شاي غولدن خلال بث على القناة 13 العبرية إن نتنياهو قاد إسرائيل إلى "هوة تاريخية" في علاقتها مع الولايات المتحدة.

 

وحذر غولدن من أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يكون بداية لمزيد من الضغوط السياسية على الحكومة الإسرائيلية، متوقعًا حدوث أزمات جديدة بين ترامب ونتنياهو خلال الفترة المقبلة.

 

خلاف حول الفضل في مواجهة إيران


في المقابل، رفضت الناشطة والصحفية الإسرائيلية اليمينية شوشانا فايس تحميل ترامب الفضل الكامل في التطورات العسكرية ضد إيران، وقالت إن إسرائيل ليست "ولاية أمريكية"، وإن القرار النهائي بيد الشعب الإسرائيلي، مضيفة أن إسرائيل واجهت إيران قبل تدخل الولايات المتحدة.

 

كما اتهمت ترامب بمحاولة الاستحواذ على الفضل في العمليات العسكرية، مؤكدة أن القيادة الإسرائيلية كان لها دور أساسي في مواجهة طهران.

 

اتفاق واشنطن وطهران يفتح باب الصراع السياسي داخل الكيان


وجاءت هذه التطورات بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق عُرف باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، يتضمن عددًا من البنود المتعلقة بوقف الحرب، وتسوية الخلافات عبر المفاوضات، وإنهاء التوتر في عدة جبهات.

 

كما يشمل الاتفاق ملفات مرتبطة بالمنطقة، من بينها الوضع في لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود البحرية المفروضة على إيران.

 

وأدى الاتفاق إلى انقسام واسع داخل إسرائيل، بين تيار يرى أن واشنطن تخلت عن نهج الدعم المطلق لتل أبيب، وتيار آخر يحمل نتنياهو مسؤولية فقدان القدرة على التأثير في القرار الأمريكي.

 

وبينما يحاول نتنياهو الحفاظ على علاقته مع إدارة ترامب، تتسع دائرة الأصوات الإسرائيلية التي ترى أن المرحلة الحالية تمثل واحدة من أصعب الأزمات السياسية التي مرت بها إسرائيل في علاقتها مع الولايات المتحدة.