علي باكير
كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران
ما أن تمّ نشر نص الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني حتى بدأ البعض بتبني سردية إنتصار إيراني أتاحه لها هذا الاتفاق، علماّ أنّ هذا المعسكر كان قد تبنى سردية الانتصار قبل أن يكون هناك اتفاق أصلًا، وبالتالي فهو من وجهة نظره منتصر في جميع الأحوال. في المقابل، برزت بعض الأصوات الغاضبة في المعسكر المقابل والتي تؤيّد بشكل غير مباشر الاتجاه السابق وتقول أنّ الرئيس الأمريكي ترامب قدّم تنازلات ضخمة لإيران لا تعكس الوضع العسكري الذي كان قد تحقق على الأرض، وهو ما يُعتبر بمثابة خدمة مجانية للنظام الإيراني دون أي مقابل حقيقي.
كلا المعسكرين من أصحاب هذه الرؤية يقيسون الاتفاق لناحية ما يتمنونه وليس لناحية الوقائع على الأرض، بدليل أنّ معسكر المتشددين داخل إيران ينظر إلى الاتفاق بشكل مغاير تماما للموقف أعلاه. نفس الشيء ينطبق على المعسكر الآخر المعارض له خارج إيران. وتشير الرسالة المكتوبة باسم المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، والتي تمّ نشرها بعد الكشف عن نص الاتفاق رسميًا، بشكل لا يقبل الشك أنّ المرشد كان يرفض هذا الاتفاق باعتباره تنازلًا إيرانيًا وليس العكس.
ووفقًا لنص الرسالة التي تمّ نشرها، فقد قال مجتبى "من حيث المبدأ، كان لي رأي مختلف"، ثم ألقى الكرة في ملعب الرئيس الإيراني قائلًا "ولكن في ضوء التزام الرئيس (مسعود بزشكيان) بصفته رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابةً عن نفسه وعن الأعضاء الآخرين.. وبالنظر إلى قبوله الصريح بتحمل المسؤولية عن ذلك، فقد أجَزتُ الاتفاق".
بمعنى آخر، المرشد لا يرى هذا الاتفاق إنتصارًا، ولا ينسبه إلى نفسه، ويتنصل من مسؤوليته وما يمكن ان ينجم عنه لاحقًا بتحميل وزره للرئيس الإيراني الذي بات الجميع يعلم انّه رئيس محترم لكن القرار ليس له ولا يستطيع أن ينوب عن أي أحد في أي شيء، بدليل أنّه عندما خرج إلى التلفاز ليتعذر علنًا لدول الخليج في الأيام الأولى للحرب عن الضربات التي طالتها ويتعهد بايقافها، كان الحرس الثوري يستمر في القصف حتى خلال كلمته.
ومن المعلوم أنّ بعض أعضاء البرلمان الإيراني كانوا قد وصفوا الاتفاق بانه إذلال لإيران، فيما قال نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بأنّ الاتفاق من شأنه أن يحوّل إيران إلى "مستعمرة أمريكية"، كما اتهم المفاوضين بتجاهل توجيهات المرشد الأعلى، فيما قام آخرون باتهام الرئيس ومجوعته بالخيانة. وعلى المقلب الآخر، أكّد قادة إسرائيل بأنّهم ليسوا طرفًا في الاتفاق، وأنّهم لن ينسحبوا أبدًا من الأراضي التي أحتلوها في لبنان، كما أنّهم سيستغلون الفترة التي يتيحها الاتفاق من أجل الاعداد لضرب إيران بقوة لم يسبق لها مثيل في حال قامت باستفزازهم.
واستنادًا إلى القراءات المتضاربة للاتفاق بين النصر والهزيمة، من الواضح أنّ الأطراف المعنية تريد تفسير الاتفاق في إطار القراءة الثنائية التي يتم توظيفها في جميع الأحوال في غير محلها، والتي لا تصح أصلًا للإتفاق. وعليه، فإنّ وضع الاتفاق في سياقه الصحيح، يقتضي تعريفه في إطاره الضيق، فإنّه اتفاق مرحلة يكرّس حالة وقف إطلاق النار بشكل شرعي ووفق ضوابط مكتوبة، لا أكثر ولا أقل. وصحيح أنّه يقدّم بعض الجزرات أو المكاسب للجانب الإيراني ليستطيع النظام هناك تبرير ذهابه للمرحلة الثانية من التفاوض ـ وهي المرحلة التي تحدد إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي أم لا ـ ، إلاّ أنّ هذه المكاسب شبه صفرية إذا ما قورنت بحجم الدمار الواسع والخسائر الكبيرة لتي لحقت بايران، كما أنّها غير مضمونه إذا ما تعرقل تنفيذ الاتفاق الانتقالي أو فشلت الأطراف المعنية في التوصل إلى اتفاق نهائي خلال المرحلة الثانية.
وبالنظر إلى الاتفاق المرحلي من هذه الزاوية، يمكن القول أنّ تقييم الربح والخسار بمعايير المعسكرات المختلفة مؤجل إلى حين الانتهاء من المرحلة الثانية، هذا إذا لم تفشل قبل انتهاء المهلة المحددة لها. خلال هذه الفترة، سيكون بإمكان واشنطن وتل أبيب أعادة ترتيب أوراقهما، وتأمين المتطلبات اللوجستية لسيناريو تجدد الحرب في أي وقت بناءً على المعطيات السابقة. علينا ألاّ ننسى أيضًا أنّه سيكون بإمكان ترامب الانسحاب في أي وقت دون سابق إنذار خاصة إذا قدّر أنّ الجانب الإيراني يتلكّأ أو يماطل أو يتهرب من تنفيذ الالتزامات، وذلك بالنظر إلى أنّ ترامب كان قد فعل ذلك سابقًا، ولا شيء يمنعه عمليًا من تكراره.
وإذا تم استئناف الحرب هذه المرة، فالفارق سيكون أنّ الولايات المتّحدة خبرت مدى قوة ونجاعة طوقها البحري الذي فرضته على الحصار الإيراني لهرمز، والذي أدّى إلى مشاكل اقتصادية هائلة لطهران نتيجة خسارتها ما يقارب نصف مليار دولار يوميًا، وانقطاع صادرات النفط، والواردات على أنواعها. وستكون واشنطن في موقع تطبيق هذا الحصار ضد إيران بشكل أكبر وأكثر نجاعة إذا ما استؤنفت الحرب.
علاوة على ذلك، يجب التذكير بأنّ هناك أطرافاُ داخل النظام الإيراني وداخل إسرائيل لا تريد أن يكون هناك اتفاق من أي نوع بين واشنطن وطهران، وأنّ هذه الأطراف فاعلة داخل البلدين ومتضررة في نفس الوقت من تحقيق تقدم في تنفيذ الاتفاق الانتقالي أو المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النهائي المحتمل خلال فترة 60 يومًا. وعليه، فقط تكون هناك مصلحة لأي منهما أو لكليهما معًا في إفشال الاتفاق. خلاصة القول أنّ علينا التعامل مع الاتفاق الحالي على أنه آلية لتثبيت وقف إطلاق النار، وليس اتفاقًا لإنهاء الحرب بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات خلال المرحلة المقبلة.

