تتسع في مصر دائرة القمع لتتجاوز المعارضين السياسيين التقليديين، وتصل إلى كفاءات علمية ومهنية عاشت ونجحت في الخارج، قبل أن تتحول عودتها المؤقتة إلى البلاد إلى مخاطرة مفتوحة، كما تكشف قضية المهندس المصري الهولندي عمر الشال.

 

وتعيد قضية الشال، المهندس في شركة ASML ،المقيم في مدينة آيندهوفن الهولندية طرح سؤال أوسع حول تعامل السلطات المصرية مع أصحاب الكفاءات، في وقت تتنافس فيه الدول على جذب مهندسي التكنولوجيا وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، لا دفعهم إلى الزنازين.

 

عمر الشال.. من شركة عالمية إلى زنزانة في مصر

 

بحسب تقرير نشره موقع Studio040 الهولندي، يعيش عمر الشال، البالغ 33 عاما والمقيم في آيندهوفن، “كابوسا” منذ نحو 8 أشهر، بعدما جاء إلى مصر مع زوجته في زيارة لحضور حفل زفاف عائلي، قبل أن يتم توقيفه في مطار القاهرة.

 

ويعمل الشال مهندسا في شركة ASML، إحدى أهم الشركات العالمية في مجال تصنيع معدات إنتاج رقائق أشباه الموصلات، وهي صناعة تمثل أحد أعمدة الاقتصاد التكنولوجي العالمي، ما يجعل قضيته أكبر من واقعة احتجاز فردية.

 

ووفق التقرير نفسه، فإن السلطات المصرية تشتبه في الشال بتهمة “الإضرار بسمعة مصر”، وهي تهمة فضفاضة تفتح الباب أمام قراءة سياسية للواقعة، خاصة أن الرجل لم يكن معروفا كنشط حزبي، بل كمهندس يعيش ويعمل في هولندا.

 

وتقول روايات مقربة من القضية إن الشال شارك في هولندا في فعاليات تضامنية مع الفلسطينيين ورافضة للحرب على غزة، قبل أن يجد نفسه عند عودته إلى مصر أمام جهاز أمني يتعامل مع التعبير السلمي كتهديد سياسي.

 

وتحوّل مطار القاهرة، في هذه الرواية، من بوابة عودة مؤقتة إلى الوطن إلى نقطة اعتقال، بما يعكس مخاوف متزايدة لدى مصريين في الخارج من أن الزيارة العائلية قد تنتهي بتحقيقات أو احتجاز أو اختفاء عن الحياة الطبيعية.

 

تدهور صحي ومعاناة أسرية

 

لم تقف تداعيات الاعتقال عند فقدان الحرية، إذ تحدث تقرير Studio040 عن تدهور الحالة الصحية للشال داخل محبسه، في ظل معاناة من آلام في الظهر ومشكلات في الأسنان، إلى جانب تدهور نفسي مرتبط بطول الاحتجاز.

 

وتشير تغطيات هولندية أخرى نقلت رواية Studio040 إلى أن المساعدة القادمة من هولندا بدت محدودة، بينما ظل الشال عالقا داخل المنظومة القضائية والأمنية المصرية، وسط قلق متزايد من أسرته ومحيطه المهني والإنساني.

 

وتفاقمت المأساة مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاز، إذ أدى غياب الشال الطويل عن عمله إلى اضطراب حياته المهنية والأسرية، فيما وجدت زوجته نفسها أمام أعباء السكن والمعيشة والمحامين والمترجمين دون دخل مستقر.

 

وفي مثل هذه القضايا، لا يصيب القمع الشخص المعتقل وحده، بل يضرب شبكة كاملة حوله: زوجة مهددة بفقدان الاستقرار، أسرة تعيش القلق اليومي، وأصدقاء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة توقفت فجأة.

 

وتكشف هذه التفاصيل الجانب غير المرئي للاعتقال السياسي أو الأمني، حيث لا يظهر الضرر فقط في قرار الحبس، بل في الانهيار المتدرج للحياة اليومية، من العمل والسكن إلى الصحة النفسية والكرامة الإنسانية.

 

رسالة قمع إلى العقول المهاجرة

 

وتطرح قضية عمر الشال سؤالا بالغ الحساسية: ماذا تقول الدولة المصرية لعقولها المهاجرة عندما يتعرض مهندس في شركة عالمية للاحتجاز بسبب تعبير سياسي أو إنساني في الخارج؟ الرسالة تبدو قاسية: النجاح لا يحمي صاحبه.

 

فبدلا من أن تتعامل الدولة مع الكفاءات المصرية في الخارج كرصيد وطني يمكن الاستفادة منه، تبدو السلطة وكأنها تنظر إلى الاستقلال المهني والفكري باعتباره تهديدا، وإلى النشاط المدني باعتباره ملفا أمنيا مفتوحا.

 

ويزداد وقع القضية قسوة لأنها ترتبط بقطاع أشباه الموصلات، أحد أكثر القطاعات حساسية في العالم اليوم، بينما تعاني مصر أصلا من نزيف العقول وهجرة الكفاءات، ومن فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي عن التنمية وواقع الحريات.

 

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لاستقطاب المهندسين والباحثين، ترسل مثل هذه الوقائع إشارة عكسية للمصريين في الخارج: لا تعودوا مطمئنين، ولا تفترضوا أن الجواز الأجنبي أو التفوق العلمي كافيان لحمايتكم.

 

كما تكشف القضية عن أزمة أعمق في تعريف “سمعة البلاد”، فسمعة الدولة لا يسيء إليها مواطن شارك في احتجاج سلمي بالخارج، بل تضر بها صور الاحتجاز التعسفي، والاتهامات الفضفاضة، وتدهور أوضاع المعتقلين.

 

دبلوماسية باردة ومصالح ثقيلة

 

أثار تقرير Studio040 أيضا تساؤلات حول حجم التحرك الهولندي في القضية، إذ تحدثت تغطيات إعلامية عن نقاشها مع وفد هولندي يزور مصر، في محاولة لإثارة ملف احتجاز الشال مع مسؤولين مصريين.

 

غير أن عائلة الشال ومتابعي قضيته يرون أن التحرك الدبلوماسي لا يرقى إلى مستوى الخطر، خاصة حين يتعلق الأمر بمواطن يحمل الجنسية الهولندية ويواجه احتجازا طويلا وتدهورا صحيا داخل سجن مصري.

 

وهنا تظهر معضلة أوسع تخص المواطنين مزدوجي الجنسية من أصول عربية، إذ يشعر كثيرون بأن حمايتهم الدبلوماسية تخضع أحيانا لحسابات سياسية واقتصادية، خصوصا حين تكون الدولة المحتجزة شريكا أمنيا أو اقتصاديا مهما.

 

ولا تنفصل هذه القراءة عن موقع مصر في العلاقات الأوروبية، حيث تتداخل ملفات الهجرة والطاقة والأمن والاستثمار، بما قد يدفع بعض الحكومات الغربية إلى الاكتفاء بضغوط ناعمة، لا بقرارات حاسمة تفرض كلفة سياسية على الانتهاكات.

 

لكن استمرار هذا النهج يمنح السلطات المصرية هامشا أوسع للتوسع في الاعتقال والضغط على المعارضين أو المتعاطفين مع قضايا حقوقية وإنسانية، حتى لو كانوا يحملون جنسيات أخرى أو يعملون في مؤسسات عالمية.

 

حكم العسكر بين شعار التنمية وحقيقة تجريف العقول

 

تأتي قضية عمر الشال لتفضح التناقض بين خطاب رسمي يتحدث عن الجمهورية الجديدة والتكنولوجيا والاستثمار، وواقع أمني يلاحق العقول الحرة، ويحوّل التفوق العلمي إلى مصدر ريبة بدلا من أن يكون سببا للاحتفاء.

 

فحكم العسكر الذي يزعم أنه يريد بناء اقتصاد حديث يتجاهل او لا يدرك حاجة ذلك إلى العلماء والمهندسين والمديرين المحترفين، لا إلى ترهيبهم عند المطارات، ولا إلى دفعهم للاعتقاد بأن العودة إلى الوطن مغامرة غير محسوبة العواقب.

 

ويطرح احتجاز مهندس يعمل في مجال شديد الأهمية مثل أشباه الموصلات دلالة رمزية قاسية، إذ يحدث ذلك في زمن أصبحت فيه الرقائق الإلكترونية معيارا للقوة الاقتصادية والسيادية بين الدول الكبرى.

 

ومع ذلك، تبدو السلطة المصرية مشغولة بإدارة الخوف أكثر من إدارة المستقبل، وبحماية صورتها الدعائية أكثر من حماية مواطنيها، وبمطاردة الأصوات المتضامنة إنسانيا أكثر من استيعاب طاقاتها العلمية والعملية.

 

وتتجاوز قضية الشال شخصه، لتصبح عنوانا لبيئة سياسية تخنق المبادرة، وتدفع العقول إلى الابتعاد، وتؤكد أن الهجرة لم تعد فقط بحثا عن فرصة اقتصادية، بل هروبا من احتمال العقاب على الرأي والضمير.

 

وفي النهاية، تبدو قضية عمر الشال اختبارا أخلاقيا وسياسيا للسلطات المصرية والحكومة الهولندية معا؛ فإما أن ينتصر الحق في الحرية والرعاية والعودة الآمنة، وإما أن تبقى الكفاءات المصرية في الخارج أمام وطن يخيف أبناءه بدل أن يحميهم.