عبد الناصر سلامة
رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق
حالة من الدهشة تخيم على الشارع المصري حاليًا، نتيجة صدمات متلاحقة تتعلق جميعها بالدين والأخلاق، أو بمعنى أدق محاولات الطعن في ثوابت الدين، وإفساد أخلاقيات المجتمع في آن واحد، فيما بدا أنه مخطط كبير، قد يكون داخليًا وقد يكون خارجيًا، إلا أن المؤكد هو أن هناك أمرا على قدر كبير من الخطورة، يتعلق بالإصرار على تغيير هوية ذلك الشعب، الذي عرف عنه أنه متدين بطبعه أو فطرته، أو أنه لا يقبل المساس بالأمور الدينية، حتى لو كان على المستوى الشخصي غير ملتزم، أو منفلت أخلاقيًا، وهنا تكمن خطورة القضية التي تنذر بكوارث تهدد أمن أي مجتمع.
بالتأكيد هذه المحاولات ليست جديدة، إلا أن الواضح أيضًا أن هناك تغيرًا في الأداء، واختلافًا في الوجوه، وتجديدًا في الطرح، خصوصًا بعد أن فشل السابقون في أداء المهمة، التي بدأت في الماضي بالطعن في شخصيات رحل معظمهم عن الحياة الدنيا، لمجرد أنهم تركوا أثرًا أخلاقيًا بين الناس، من بينهم العالم الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور مصطفى محمود، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم كثر ممن كان لهم حضور كبير، بين كل الأعمار وكل الفئات، يتعلق بالأخلاق والقيم والمبادئ، والتمسك بالتعاليم الدينية، والثوابت الشرعية، إلى غير ذلك مما لا زال يلقي بظلاله على الأجيال الجديدة، سواء من خلال البرامج التلفزيونية المسجلة أو المؤلفات واسعة الانتشار، وهو ما يزعج المناوئين.
مجموعة أخرى دخلت بعد ذلك على خط الأهداف نفسها، بالطعن في ثوابت الدين، والتشكيك في الأحاديث النبوية الشريفة، خصوصًا صحيح البخاري ومسلم، والطعن في الصحابة رضوان الله عليهم، والسخرية من شعائر الحج، والاستخفاف بأركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة، والترويج للأحاديث والروايات الضعيفة، وطرح الفتاوى المثيرة للجدل والتي لا معنى لها، كإرضاع الكبير، وطفل الفراش، وطاعة الحاكم، من خلال علماء دين لا يفقهون أحيانًا، ومرتزقة فاسدين في كثير من الأحيان، إلا أن كل ذلك أيضًا لم يحقق الهدف، وإن كان قد فتح بابًا واسعًا للمناقشة والأخذ والرد بما لا يفيد.
الآن، يبدو أن القضية قد أخذت منحى أكثر وضوحًا وانحطاطًا في الوقت نفسه، بخروج أحد المحامين من خلال حوار إعلامي يدعو إلى إباحة تعاطي المخدرات، ثم محامية تدعو إلى تقنين الدعارة، وأخرى تدعو الزوجات إلى التمرد والطلاق، وثالثة تتحدث عن تبادل الزوجات، ومخرجة سينمائية تطالب بإباحة البغاء وفتح بيوت الزنا، وممثلات يطالبن بإباحة ما تسمى "المساكنة"، أي الحياة بين الشاب والفتاة في مسكن مشترك دون زواج، في الوقت الذي يطالب فيه آخرون بإباحة الشذوذ أو المثلية، إلى غير ذلك من أمور وأطروحات كارثية، غريبة ومريبة.
المهم أن كل ذلك تزامن مع طرح فيلم سينمائي يسخر من الدين بطريقة سافرة، ومع طرح مشروع قانون للأحوال الشخصية، قد يسبب دمارًا للأسرة المصرية التي تعاني أساسًا أيّما معاناة من القانون الحالي، خصوصًا ما يتعلق منه بـ"الخلع" وهو أحقية الزوجة في الحصول على حكم من المحكمة بالطلاق من زوجها على غير رغبته، وهو ما يراه علماء الدين باطلًا، ثم تسارع الزوجة بالزواج من غيره بعد الحصول على هذا الحكم، ناهيك عن أزمات عديدة تتعلق بتراجع العادات والتقاليد الإسلامية والأخلاقية، بمزاعم التحضر والتطور والتنوير، من خلال من يطلقون على أنفسهم "التنويريين" الذين تنحصر مقوماتهم في أنهم قد تخلوا عن عقيدتهم، وربما عن كل العقائد، فأصبحوا ملحدين، مناوئين لكل ما هو شرع، وكل ما هو أخلاق.
هي حالة عبثية تجتاح العقل المصري الآن، تطرح سؤالًا مهمًا حول مدى اعتبارها مصادفة من عدمه، في الوقت الذي تمر فيه الدولة المصرية بأوضاع اقتصادية ومالية وسياسية ربما هي الأسوأ في تاريخها الحديث، حيث الغلاء الفاحش، والتراجع غير المسبوق في قيمة العملة المحلية، والديون الباهظة داخليًا وخارجيًا، واتجاه الدولة إلى بيع الأصول؛ من أراض وشركات ومصانع وعقارات ومواني ومستشفيات، ناهيك عما سبق من أزمات تتعلق بجزيرتي البحر الأحمر "تيران وصنافير"، وحقول غاز البحر المتوسط، واتفاقية نهر النيل مع إثيوبيا والسودان، إلى غير ذلك من قضايا سوف تظل تلقي بظلالها سلبًا.
بدا واضحًا أنه قد حان وقت العبث بالحالة الأخلاقية أو الاجتماعية المصرية، وهو ما يشير إلى أن كل الأطروحات اللاأخلاقية السابق ذكرها لا يمكن التعامل معها باعتبارها مصادفة، في الوقت الذي يخوض فيه المجتمع أزمة حقيقية خطيرة ومريبة مع كلاب الشوارع ومن يقفون خلفهم، بينما تواجه الدولة الرسمية أزمة أخرى مع بلطجية الشوارع، بعد تطور أوضاعهم إلى مافيا وعصابات اتخذت أشكالًا إدارية وقانونية، من خلال شركات أمن وحراسات، ومؤسسات تجارية ومالية.
في الوقت نفسه، يمكننا الربط بين ما يجري والإصرار الأمريكي على نشر ما تسمى الديانة الإبراهيمية، التي تجد معارضة شديدة من الأزهر والشارع في آن واحد، كما يمكننا الربط مع التصريحات الصادرة عن الكيان الصهيوني طوال الوقت، والمتعلقة بتغيير وجه المنطقة، على حد تعبير رئيس حكومة الكيان، خصوصًا إذا وضعنا في الاعتبار أن كل أو معظم من يرددون أو يروجون لمثل هذه الأخلاقيات هم من الممولين ماليًا من الخارج، من خلال جمعيات ومنظمات حقوقية، تتعلق بالإنسان والحيوان والبيئة، والمثلية والإلحاد والماسونية في الوقت نفسه.
ما يثير الهلع في أوساط العقلاء هي الخشية من خروج الأوضاع عن السيطرة بين لحظة وأخرى، لنجد أنفسنا أمام مجتمع متفكك اجتماعيًا وإنسانيًا، مهترئ دينيًا وأخلاقيًا، خصوصًا عندما نلحظ أن وسائل الإعلام الرسمية والخاصة تفتح أبوابها وبرامجها لأمثال هؤلاء على مدار الساعة، ينفثون سمومهم دون رقيب أو حسيب، بمزاعم حرية التعبير، في الوقت الذي لا يُسمح فيه، على سبيل المثال، بالتعبير عن الضيق من الأزمات المعيشية والأداء الاقتصادي وما شابه ذلك، وهو ما قد يوحي بمباركة رسمية لذلك الذي يجري، إما في إطار الإلهاء عن سياسات الدولة ككل، أو في إطار جس نبض المجتمع للتحول إلى مثل هذه المناحي غير محسوبة العواقب بكل تأكيد.
أعتقد أن حالة الاحتقان الحاصلة حاليًا نتيجة هذه الممارسات، ليست خافية على نظام يعتمد في مسيرته واستمراريته على الأمن السياسي بالدرجة الأولى، وهو ما يجعل من استمرار هذه الحالة والتمادي فيها دون تدخل أمرا يثير الدهشة، خصوصًا عندما ندرك أنها تمثل أقصر الطرق إلى التطرف والتشدد، ذلك أننا أصبحنا الآن أمام بيئة خصبة للمواجهة الشعبية بمنأى عن الدولة الرسمية، وهو ما يطرح علامة الاستفهام الأكبر، حول الهدف من غض الطرف عن هذه الحالة غير المنطقية، من خلال منظومة الأمن القومي التي لا تتغاضى عن شاردة أو واردة!

