حذرت شعبة بيض المائدة في الاتحاد العام لمنتجي الدواجن بمصر من تحول وفرة الإنتاج التي تجاوزت الاستهلاك بنحو 40% إلى ندرة جديدة بعدما هبطت الكرتونة في المزرعة إلى 65 و75 جنيها.
ويكشف هذا الهبوط أن الحكومة تركت سلعة أساسية بين ضغط الأعلاف المستوردة وفوضى التسعير اليومي ثم انتظرت من المربين أن يتحملوا الخسارة ومن المستهلك أن يدفع ثمن الأزمة عند عودتها.
وفرة مؤقتة فوق أرض تكاليف مشتعلة
في البداية ربط المهندس أحمد نبيل رئيس شعبة بيض المائدة تراجع الأسعار بالقفزة الكبيرة في الإنتاج المحلي مؤكدا أن المعروض تجاوز احتياجات السوق بينما تحكمت آليات العرض والطلب في حركة البيع اليومية.
ثم أوضح نبيل أن المستهلك حقق مكسبا فوريا من انخفاض الكرتونة لكنه نبه إلى أن استمرار السعر الحالي دون توازن عادل يضرب قدرة المنتجين على البقاء داخل دورة إنتاج لا يمكن وقفها.
وبحسب حديث الشعبة لا يملك مربو البياض قرار تعطيل الإنتاج لأن الدواجن تضع البيض يوميا وهو ما يدفعهم إلى بيع المنتج الطازج بأي سعر متاح حتى لا يتلف المخزون.
لكن الأزمة الأوسع تظهر في الأعلاف المستوردة التي تمثل بين 90% و95% من تكلفة الإنتاج بما يجعل أي انخفاض حاد في سعر البيع خسارة مباشرة لا يستطيع المربي الصغير امتصاصها طويلا.
كذلك تكشف هذه النسبة هشاشة سياسة حكومية ربطت غذاء المصريين بالدولار ثم تحدثت عن الاكتفاء الذاتي بينما بقيت المدخلات الأساسية رهينة الاستيراد وسعر الصرف والنقد الأجنبي.
ومن هنا تخدم قراءة الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب محور التكلفة لا محور الدعاية إذ سبق أن ربط اضطراب الدواجن بقرارات السوق والقدرة الشرائية لا بمجرد نقص عابر في المعروض.
لذلك تبدو الوفرة الحالية نتيجة اندفاع إنتاجي بلا شبكة أمان وليست نجاحا كاملا لأن المنتج يبيع اليوم تحت ضغط السيولة بينما ينتظر المستهلك تخفيضا قد لا يستمر إذا خرج المربون.
وبالتزامن سجلت أسعار البيض الأبيض في المزرعة بين 65 و75 جنيها ووصلت للمستهلك بين 80 و102 جنيه بينما تحرك الأحمر في المزرعة بين 70 و85 جنيها.
أما البيض البلدي فقد سجل في البورصة والمزارع بين 80 و85 جنيها ووصل إلى المستهلك بين 122 و125 جنيها بما يكشف فجوة توزيع واسعة فوق خسائر المنتجين.
انسحاب المربين يصنع الغلاء القادم
بعد ذلك حذر أحمد نبيل من غياب السعر العادل الذي يضمن هامش ربح مناسب للمربين مؤكدا أن الخروج الإجباري من السوق قد يؤدي إلى نقص في المعروض وقفزات سعرية غير متوازنة.
وتستعيد هذه التحذيرات ما جرى بين عامي 2022 و2023 حين ضربت موجات الغلاء سوق البيض والدواجن ودفعت الأسر إلى تقليل الشراء رغم أن البيض ظل مصدرا بروتينيا أرخص من بدائل كثيرة.
غير أن الحكومة لم تعالج أصل الأزمة حينها بقدر ما أدارتها بتدخلات متأخرة واستيراد ووعود رقابية ثم تركت المنتجين بين أعلاف مرتفعة ومستهلكين منهكين ووسطاء يوسعون الفجوة السعرية.
وفي هذا المحور يخدم رأي الخبير الاقتصادي وائل النحاس فكرة أن تضارب القرارات الاقتصادية يصنع أزمات الأسعار لأن السوق لا يستقر عندما تتغير تكلفة التمويل والاستيراد والطاقة دون حماية إنتاجية.
وبذلك لا يمكن قراءة انخفاض الكرتونة اليوم كهدية مستقرة للمواطن لأن البيع بأقل من التكلفة يدفع المربي إلى تقليل القطيع أو إغلاق النشاط ثم يعيد السوق إلى الندرة.
كما أن الحديث عن استثمارات داجنة تقترب من 100 مليار جنيه يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لأن ترك هذه الكتلة الإنتاجية للانهيار يعني ضرب عمالة ومزارع ومصانع أعلاف ونقل وتوزيع.
وعلى المستوى الاجتماعي يدفع المواطن ثمنين متتاليين الأول حين يشتري البيض غاليا خلال الندرة والثاني حين يصفق لانخفاض مؤقت يقتل المنتجين ثم يعود إليه الغلاء مضاعفا بعد شهور.
لذلك يصبح المطلوب سعرا عادلا لا سعرا مرتفعا لأن حماية المنتج لا تعني معاقبة المستهلك بل تعني منع دورة الانهيار التي تبدأ بخسارة المزارع وتنتهي بطوابير الأسعار.
ومن ثم تتحمل أجهزة الدولة مسؤولية ضبط حلقات التداول لا ترك المزرعة تبيع بخسارة بينما تظهر الكرتونة للمستهلك بفارق كبير يذهب إلى النقل والوسطاء وهوامش غير معلنة.
دعاية الاكتفاء تصطدم بجيب المواطن
في المقابل نفى أحمد نبيل أن يكون انخفاض الإقبال على شراء البيض سببا رئيسيا للهبوط وقال إن حملات المقاطعة والأنظمة الغذائية المتداولة مجرد ترندات ممولة من الخارج.
لكن هذا النفي لا يلغي أثر الفقر الغذائي على قرارات الأسر لأن المواطن الذي يواجه زيادات مستمرة في الكهرباء والوقود والمواصلات يراجع شراء البروتين حتى عندما ينخفض نسبيا.
وهنا تخدم مداخلة حسين أبو صدام نقيب الفلاحين محور القدرة الشرائية وسلاسل التسويق إذ تحدث سابقا عن أثر تعدد التجار وتكاليف النقل والفاقد في توسيع الفجوة بين الحقل والمستهلك.
وبناء على ذلك تبدو حملات المقاطعة عرضا لا سببا وحيدا لأن غضب المواطنين من الأسعار ينتج عن تجربة طويلة مع غلاء الغذاء لا عن دعوة عابرة على وسائل التواصل.
كما كشف نبيل أن الهجوم على قطاع البيض بدأ بعد إعلان مصر تحقيق الاكتفاء الذاتي نهاية عام 2025 وفتح باب التصدير معتبرا أن الحملات تستهدف هذا الإنجاز الاقتصادي.
إلا أن تحويل الاكتفاء الذاتي إلى شعار سياسي لا يجيب عن سؤال التكلفة لأن الإنتاج الذي يعتمد على علف مستورد بنسبة تقارب 95% يبقى منكشفا أمام الدولار والأزمات الخارجية.
ثم إن فتح باب التصدير لا يجوز أن يصبح أداة تفاخر بينما يعجز المنتج المحلي عن ضمان هامش ربح ويخشى المستهلك عودة الكرتونة إلى مستويات قياسية مع أول نقص في المعروض.
وعليه تحتاج السوق إلى إعلان تكلفة إنتاج حقيقية ومراجعة يومية لأسعار الأعلاف وهوامش التداول حتى لا يتحول الحديث عن العرض والطلب إلى غطاء رسمي لغياب الرقابة.
كذلك يجب فصل دعم المنتج الصغير عن دعم كبار المحتكرين لأن المزارع الصغيرة تخرج أولا عند الخسارة بينما يستطيع الكبار الصمود ثم السيطرة على المعروض وفرض الأسعار لاحقا.
وفي الخلاصة لا تكشف أزمة البيض عن وفرة مريحة بل تكشف سوقا بلا صمام أمان وحكومة تتعامل مع الغذاء كرقم يومي لا كملف أمن معيشي.
لذلك تبدو الكرتونة الرخيصة اليوم إنذارا لا انتصارا لأن استمرار البيع دون تكلفة عادلة يهدد بخروج المربين وانكماش الإنتاج ثم عودة الغلاء على موائد المصريين بصورة أشد.
وتتحمل الحكومة مسؤولية منع هذه الدورة عبر ضبط الأعلاف والوسطاء والتسعير الاسترشادي لا عبر انتظار السوق حتى ينهار ثم إعلان إجراءات طارئة يدفع المواطن والمنتج ثمنها معا.

