محمد جمال عرفة

كاتب صحافي مصري

 

كان من الممكن أن تمر صفقة شراء آل ترامب (إيفانكا وزوجها كوشنر) جزيرة سازان في ألبانيا، بحجة تحويلها إلى منتجع فاخر لأثرياء العالم على غرار جزيرة "إبستين" التي افتُضح أمرها، من دون أن ينتبه لها أحد، لولا أن الصحافية الاستقصائية البارزة لينديتا تشيلا كشفت سترها وحجم الفساد الاقتصادي المرتبط بها واتهام رئيس الوزراء إدي راما بالتورط في بيع أراضي بلاده واستغلال النفوذ، ليُرفع الغطاء عما سُمي "صفقة صندوق طماطم فاسدة"، كشف عن فساد عابر للقارات يدمج بين السياسة والمال المشبوه وتدمير البيئة.

 

الصحافية، التي اشتهرت بتقاريرها الفاضحة للجريمة المنظمة والفساد في ألبانيا، كشفت تفاصيل الجزيرة التي كانت في الماضي، خلال الحكم الشيوعي، قاعدةً عسكريةً، وأصبحت محميةً طبيعيةً لطيور الفلامنغو وفقمة البحر المتوسط وغيرها، ودفعت جهات مكافحة الفساد في البلاد إلى تجميد حسابات شركة تمتلك أراضي مشاركة في خطط كوشنر وإيفانكا.

 

وكشف موقع "الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد" (OCCRP) عن أن تعديل الحكومة تشريعات الذي أُلغي بموجبه اعتبار هذه الجزيرة محميةً طبيعيةً لمنحها إلى شركات كوشنر أظهر وجود "قضية احتيال عقاري" تتعلّق بمنتجع كوشنر الفاخر بقيمة 4 مليارات، وكان هذا أبرز سبب لخروج الشعب في مظاهرات ضخمة سُمّيت "ثورة الفلامنغو"، في إشارة إلى أشهر طيورها المعرّضة للفناء، بسبب مطامع إيفانا وكوشنر وتسهيل الحكومة الحالية الأمر لهما، ما حوّل القضية من مشروع سياحي إلى بركان فضائح اقتصادية وسياسية.

 

ووجهت اتهامات حادّة لحكومة رئيس الوزراء الألباني بـ "بيع أصول الدولة"، واستغلال النفوذ وتضارب المصالح، وأنه يستغل الأراضي لخطب ودّ إدارة ترامب وتحقيق مكاسب سياسية.

 

مع أن الهدف المعلن من جانب إيفانكا ترامب هو قيامها وزوجها بشراء جزيرة في ألبانيا وتطويرها لتصبح منتجعًا للأثرياء، فقد أظهر ألبان خلال المظاهرات وعبر مواقع التواصل مخاوف من أمرين:

 

الأول أن يكون مشروع إيفانكا - كوشنر لمصلحة إسرائيل ويُحوّل إلى جزيرة عسكرية لإسرائيل، خاصة أن لرئيس الوزراء علاقات جيدة مع إسرائيل وقد زارها في يناير الماضي وألقى خطابًا في الكنيست يشيد فيه بنتنياهو ويعتبره أشبه بأب روحي له.

 

وقد ربط مراقبون استراتيجية الاستثمار هذه بإطار التطبيع الإقليمي المرتبط باتفاقيات أبراهام، والتي ساعد كوشنر في التوسط فيها خلال الإدارة الأولى لدونالد ترامب.

 

والثاني أن يكون الهدف أن تتحوّل إلى جزيرة تشبه جزيرة المتحرش الجنسي "إبستين"، وألبانيا دولة مسلمة ويرفض شعبها ذلك، لذلك خرجت المظاهرات تحت شعار "ألبانيا ليست للبيع".

 

وقد ذكرت الكاتبة والباحثة الأيرلندية إيلي نيك آن تساوير أن "كوشنر لا يشتري جزيرة سازان في ألبانيا لتحويلها إلى منتجع فاخر، ولكن حقيقة للسيطرة على مضيق أوترانتو؛ المنفذ البحري الوحيد بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأبيض المتوسط، لأن من يسيطر على تلك الجزيرة يسيطر على هذا الممر الحيوي الاقتصادي، وهنا أيضًا أُشيع أن إسرائيل تريده ممرًا اقتصاديًا تتحكم فيه.

 

تعود جذور الأزمة إلى مشروعين سياحيين عملاقين مرتبطين بكوشنر وشركات استثمارية متحالفة معه، أحدهما في جزيرة سازان الواقعة على البحر الأدرياتيكي، والثاني في منطقة زفرنيتس ضمن محمية فيوسا-نارتا الطبيعية، وهي من أهم المناطق البيئية في ألبانيا وتضم موائل نادرة للفلامنغو والبجع والفقمة المتوسطية والسلاحف البحرية.

 

والمشروع الاستثماري الضخم الذي يقوده كوشنر تقدّر قيمته بنحو 1.4 مليار يورو ويتوقع استثمارات بأربعة مليارات دولار ويقع في جزيرة سازان والساحل الجنوبي لألبانيا، وبموجبه سيمتلك أيضًا خمسة أميال من الشاطئ المقابل للجزيرة مباشرة.

 

لكن طيور الفلامنغو الوردية والشائعات عن استخدام الجزيرة لمصلحة إسرائيل أو جعلها على غرار جزيرة المتحرش إبستين، حوّلت ألبانيا خلال الأسابيع الأخيرة إلى رمز لحركة احتجاجية واسعة باتت تُعرف باسم "ثورة الفلامنغو"، في موجة غضب شعبي رفضًا لمشروعات إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر، قبل أن تتطور إلى احتجاجات أوسع ضد ما يصفه ناشطون ومنظمات مدنية بمنظومة فساد اقتصادي وتواطؤ سياسي بين السلطة ورؤوس الأموال الأجنبية.

 

فقد رأى المحتجون أن القضية لا تتعلق بالبيئة فقط، بل بكيفية منح المشروعات صفة "المستثمر الاستراتيجي" وتسريع الموافقات والتراخيص، وسط اتهامات بغياب الشفافية وضعف الرقابة البرلمانية والمجتمعية، والقيام بتعديلات قانونية عام 2024 سمحت بالبناء داخل بعض المناطق المحمية.

 

وتضاعف الغضب الشعبي عندما بدأت أعمال تمهيد وتجريف وإقامة أسوار وأسلاك شائكة في بعض المواقع، ما اعتبره السكان المحليون دليلًا على أن المشروع يتقدّم عمليًا رغم استمرار الجدل القانوني والبيئي حوله، ما أدى إلى اشتباكات وانتشار صور الفلامنغو رمزًا للمقاومة المدنية ضد المشروع.

 

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات البعد البيئي، وانتقلت للحديث عن أن المشروع مثال على نموذج اقتصادي قائم على منح الأراضي العامة والسواحل والمناطق الطبيعية لمستثمرين نافذين مقابل وعود استثمارية ضخمة لا يشعر المواطن العادي بعوائدها.

 

ولهذا رفعت المظاهرات شعارات ضد الفساد والمحسوبية وتغول الأوليغارشية الاقتصادية، وتحوّلت إلى تحدٍّ سياسي مباشر لرئيس الوزراء إيدي راما وحكومته ومطالبات باستقالة الحكومة.

 

وبدأت تقارير صحافية وتحقيقات محلية تتساءل عن الشركات الوسيطة والجهات المشاركة في إدارة المشروع، وطبيعة ملكية بعض الأراضي وآليات الاستحواذ عليها، ما دفع جهات رقابية ومكافحة فساد إلى فتح تحقيقات بشأن القصة كلها.

 

وحاول رئيس الوزراء إيدي راما الدفاع بقوة عن المشروع، مؤكدًا أنه يمثل فرصة تاريخية لتحويل ألبانيا إلى مركز سياحي عالمي وجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، ورفض اتهامات الفساد أو تدمير البيئة، واتهم المعارضين بأن إيران تقف وراءهم لمعاندة ترامب وابنته وصهره!

 

لقد تحوّلت "ثورة الفلامنغو" من مجرد معركة حول مشروع سياحي إلى معركة كشفت صراعًا أعمق حول طبيعة النموذج الاقتصادي في ألبانيا، فهل تكون التنمية عبر استثمارات ضخمة مرتبطة بالنخب السياسية والمالية العالمية، أم عبر نموذج أكثر شفافية يضمن حماية الموارد العامة ومشاركة المجتمع المحلي في اتخاذ القرار؟

 

وجعل هذا السؤال "الفلامنغو" يتحول من طائر مهاجر إلى رمز سياسي للاعتراض على النفوذ والفساد والخصخصة المقنعة للثروات الطبيعية.

 

والأهم أن "ثورة الفلامنغو" تُمثل أول حركة احتجاجية شعبية واسعة منذ سنوات لا تقودها الأحزاب التقليدية، بل نشأت من تحالف بين جماعات البيئة والشباب والسكان المحليين، كما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة لتعبئة المحتجين ونشر صور الفلامنغو بوصفه رمزًا لمقاومة ما يصفونه بـ"خصخصة الطبيعة" وتحويل الثروة الوطنية إلى مشاريع تخدم النخب السياسية والاقتصادية.