ينبه د. يوسف القرضاوي في إحدى مقالاته الدعوية، إلى أصل عظيم في التعامل مع القرآن الكريم، وهو أن من أراد قراءة القرآن وفهمه فعليه أن يقرأه بوصفه كتاب الزمن كله، وكتاب الحياة كلها، وكتاب الإنسان كله، وكتاب الناس كلهم، وكتاب الحقيقة كلها، لا كتاب مرحلة محدودة ولا بيئة ضيقة ولا جيل مخصوص.
وهذا المعنى يضع المؤمن أمام مسؤولية كبرى في الفهم والتلقي، لأن القرآن ليس خطابا تاريخيا انتهى أثره، ولا وثيقة مرتبطة بزمن الصحابة فقط، ولا كتابا لعصر دون عصر، بل هو كتاب الخلود الذي تكفل الله بحفظه حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
كتاب الخلود لا كتاب مرحلة
يقرر د. يوسف القرضاوي أن القرآن كتاب الزمن كله، ولذلك لا يجوز للمسلم حين يقف أمام معانيه وأحكامه أن يقول إن هذا كان لعصر الصحابة، أما اليوم فقد تغير الزمن وتغير العصر وتبدلت الأحوال.
فهذا القول، في حقيقته، لا يتعامل مع القرآن باعتباره وحيا باقيا، بل يحوله إلى كتاب موقوت بزمن معين، يصلح لفترة ثم يأتي الناس بعد ذلك ليعطلوا معانيه أو ينسخوا أحكامه باسم التطور أو تبدل الواقع.
ومن هنا كان التأكيد على أن القرآن كتاب الحياة كلها، لأنه يخاطب الإنسان في أصل تكوينه، وفي حاجته إلى الهداية، وفي علاقته بربه وبنفسه وبالناس، لا في مظهر اجتماعي عابر يتغير من زمن إلى زمن.
كما أنه كتاب الإنسان كله، لأنه لا يخاطب جانبا واحدا من الإنسان، بل يخاطب عقله وقلبه وضميره وسلوكه وعلاقاته، ويقيم له الميزان الذي يهديه في العبادة والمعاملة والأسرة والمجتمع والسياسة والأخلاق.
وهو كذلك كتاب الناس كلهم، فلا ينغلق على قومية أو طبقة أو لون أو بيئة، ولا يختص بالعرب دون العجم، ولا بالشرق دون الغرب، بل جاء نذيرا للعالمين، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}.
النسخ لا يثبت إلا بيقين
يربط د. يوسف القرضاوي بين خلود القرآن وبين ضرورة التوقف الشديد في مسألة النسخ، لأن الأصل بقاء النص الإلهي، وبقاء حكمه ودلالته، ولا يجوز أن يقال إن آية أو جزءا من آية أو جملة أو فقرة فقدت حكمها إلا بيقين.
وهذا التنبيه مهم، لأن التوسع في دعوى النسخ يفتح بابا خطيرا لتعطيل الأحكام، فإذا جاز لكل عصر أن يقول إن بعض الآيات كانت مناسبة لزمن سابق، فقد تحول الناس إلى ناسخين لكلام الله بأهوائهم وظنونهم.
فالنسخ باب شرعي لا يثبت بالتشهي ولا بالاستحسان ولا بمجرد دعوى تغير الواقع، بل يحتاج إلى دليل قاطع، لأن النص الإلهي ليس ملكا لأحد حتى يوقفه أو يلغيه أو يقول إن حكمه انتهى بمجرد تبدل العادات.
ومن هنا تظهر خطورة من يقول إن بعض أحكام الأسرة كانت صالحة في الماضي فقط، ثم فقدت معناها في الحاضر، فهذا لا يناقش تفصيلا فقهيا محدودا، بل يمس أصل الإيمان بخلود القرآن وشموله للزمان والمكان.
فمنهج المسلم أن يوقن أولا بأن كلام الله باق، ثم يجتهد في فهمه وتنزيله وفق ضوابط العلم، لا أن يجعل الواقع حاكما على الوحي، فيقبل من القرآن ما وافق المزاج المعاصر، ويرد ما خالفه.
القوامة والميراث ليستا أحكاما موقوتة
يعرض د. يوسف القرضاوي مثالا واضحا على الانحراف في الفهم، حين يزعم بعض المعاصرين أن قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} كان مناسبا للزمن الماضي فقط.
ويقول هؤلاء إن القوامة كانت قائمة لأن المرأة لم تكن تملك استقلالا اقتصاديا، أما اليوم فقد أصبحت المرأة تعمل موظفة ومعلمة وطبيبة، فلا ينبغي أن يكون الرجل قواما عليها، وكأنهم يجعلون العمل وحده ناسخا لحكم قرآني.
ويمتد هذا المنطق عندهم إلى قوله تعالى في الميراث: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، فيقولون إن هذا كان في الماضي، أما الآن فقد تغير الوضع، وتبدلت الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
ويرفض د. يوسف القرضاوي هذا الكلام كل الرفض، لأنه يعني أن القرآن كتاب موقوت بزمن معين، وأن للناس أن ينسخوه بعد هذا الزمن، وهذا باطل يجب أن يقاوم بشدة، لأنه يهدم أصل بقاء الكتاب للزمن كله.
فالاجتهاد المقبول لا يبدأ بإلغاء الحكم، بل بفهم علته ومقاصده وشروطه ومجاله، أما تحويل تغير الزمن إلى سلطة تعطل الوحي، فليس تجديدا ولا فقها، بل جرأة على كتاب الله باسم العصر.
القرآن عالمي ومرن في تفاصيل التطبيق
يؤكد د. يوسف القرضاوي أن القرآن عام من حيث الزمان والمكان، فلم ينزل للبيئة العربية وحدها، ولا للبيئة الشرقية خاصة، وإنما نزل لكل البيئات، ولكل العالم شرقيه وغربيه، عجميه وعربيه، ولكل الأجناس والألوان والطبقات.
ولهذا لم يعرض القرآن لكثير من التفاصيل التي تقيد الناس ببيئة واحدة أو صورة واحدة، لأنه لو فعل ذلك لضاق على العالمين، لكنه قرر الأصول الكبرى والمبادئ الحاكمة، وترك للمسلمين مساحة الاجتهاد بحسب مصالحهم.
ومن أوضح أمثلة ذلك مبدأ الشورى، فقد أمر القرآن بالشورى قاعدة ومبدأ، لكنه لم يحدد كيفية الشورى، ولا من الذين يستشارون، ولا فيم يستشارون، ولا طريقة اختيار أهل الشورى.
والحكمة في ذلك أن القرآن لا يريد أن يكون بيئيا ولا موقوتا، بل يريد أن يبقى صالحا لكل عصر، فتختلف وسائل الشورى وصورها باختلاف الأحوال والظروف، بينما يبقى الأصل القرآني ثابتا لا يتغير.
وهكذا يجمع القرآن بين الثبات والمرونة، فهو ثابت في أصوله وأحكامه المحكمة وقيمه الكبرى، ومرن في الوسائل والصور التي تركها لاجتهاد الأمة، حتى تحقق مصالحها في مختلف العصور والبيئات والأحوال.
وهذه هي الرسالة التي يقررها د. يوسف القرضاوي: اقرأوا القرآن كتاب خلود وهداية، لا كتابا محصورا في الماضي، وخذوا أحكامه بوقار وتسليم، واجتهدوا في تنزيل مبادئه دون أن تجعلوا الزمن حاكما على كلام الله.

