كشفت الساعات الأخيرة عن انتقال ملف الحرب الأوكرانية إلى منعطف سياسي وعسكري جديد، بعد رسالة مفتوحة وجهها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عرض فيها لقاء مباشرًا ووقفًا شاملًا لإطلاق النار خلال المفاوضات، بينما ردت موسكو برفض عملي، وتزامن ذلك مع دعوة ألمانية فرنسية لإشراك أوروبا، وتصويت أميركي على مساعدات لكييف وعقوبات ضد روسيا.

 

وتأتي هذه التطورات في لحظة تحاول فيها كييف نقل الضغط من ساحات القتال إلى طاولة تفاوض مكشوفة أمام العالم، في مقابل تمسك الكرملين بشروطه السياسية والعسكرية، فيما تخشى العواصم الأوروبية أن تنتهي أي صفقة بين واشنطن وموسكو على حساب أمن القارة وحدود أوكرانيا ومستقبلها داخل الاتحاد الأوروبي.

 

 

زيلينسكي يعرض لقاء مباشرًا وهدنة شاملة

 

وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رسالة مفتوحة إلى فلاديمير بوتين، قال فيها إن أوكرانيا تقترح إنهاء الحرب عبر حوار مباشر بين الرئيسين، داعيًا إلى تحديد موعد لاجتماع وجهًا لوجه، ومعلنًا استعداد بلاده لوقف إطلاق نار شامل طوال فترة المفاوضات.

 

وحاول زيلينسكي في رسالته ربط التفاوض بإجراءات إنسانية فورية، فاقترح تبادلًا شاملًا لكل أسرى الحرب لدى الجانبين، معتبرًا أن هذا التبادل قد يكون مقدمة جيدة لإنهاء الحرب، وهو طرح يستهدف إظهار كييف بوصفها الطرف المستعد لاختبار المسار السياسي أمام الرأي العام الدولي.

 

كما جاء عرض زيلينسكي بعد تعثر جهود الوساطة الأميركية، وبعد ضربات أوكرانية بالمسيرات طالت مواقع روسية حساسة، بينها هجوم قرب سان بطرسبورغ، حيث كان بوتين يشارك في منتدى اقتصادي دولي، وهو ما منح الرسالة بعدًا إضافيًا بين الضغط العسكري والدعوة السياسية.

 

وفي المقابل، لا تبدو مبادرة زيلينسكي مجرد دعوة بروتوكولية لاجتماع قمة، لأن الرئيس الأوكراني شدد أكثر من مرة على أن المفاوضات المباشرة مع بوتين وحدها قد تفتح طريقًا لاتفاق يتعلق بالأراضي ووقف النار، وهي ملفات يصعب حسمها عبر وفود فنية فقط.

 

لكن العرض الأوكراني يضع كييف أيضًا أمام اختبار صعب، إذ تريد وقفًا شاملًا للنار أثناء التفاوض، بينما تخشى أن تستخدم موسكو أي هدنة لإعادة التموضع العسكري، لذلك تحاول أوكرانيا ربط الهدنة بتفاوض مباشر وضمانات دولية لا تسمح بتحويلها إلى استراحة روسية مؤقتة.

 

 

بوتين يرفض الرسالة والكرملين يرفع سقف الشروط

 

قابلت موسكو رسالة زيلينسكي ببرود سياسي واضح، إذ قال الكرملين في البداية إن بوتين لم يطلع بعد على الرسالة، لكنه أشار إلى أن زيلينسكي يستطيع المجيء إلى موسكو في أي وقت، وهو اقتراح كان الرئيس الأوكراني قد استبعده مسبقًا لغياب الحياد والضمانات.

 

ثم جاء الرد الأشد من بوتين نفسه، حين قال في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي إنه لا يرى سببًا حاليًا للقاء زيلينسكي، واعتبر أن أي قمة لا معنى لها قبل إعداد اتفاقات طويلة المدى عبر خبراء ومفاوضين، بما يعني أن موسكو لا تريد قمة سياسية سريعة تحت ضغط كييف والغرب.

 

وبحسب تقارير غربية، ربط بوتين موقفه باتهام أوكرانيا بمواصلة الهجمات على الأراضي والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، كما كرر أن موسكو تريد تسوية شاملة لا وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، وهو تعبير تستخدمه روسيا عادة للدفع نحو اتفاق يثبت مكاسبها العسكرية والسياسية.

 

كما وصف بوتين رسالة زيلينسكي بأنها غير جادة، بينما رد الرئيس الأوكراني بأن الرفض الروسي يثبت أن موسكو لا تريد إنهاء الحرب، وهو تبادل يعكس جوهر الأزمة، إذ يحاول كل طرف تحميل الآخر مسؤولية تعطيل المفاوضات أمام الحلفاء والرأي العام العالمي.

 

وتكشف هذه النقطة أن مسار التفاوض لا يزال محاصرًا بسؤال الشروط المسبقة، فكييف تريد لقاء وهدنة وتبادل أسرى، بينما تريد موسكو اعترافًا عمليًا بوقائع ميدانية وسياسية قبل أي قمة، ولذلك بقيت الدعوة مفتوحة إعلاميًا لكنها مغلقة سياسيًا حتى الآن.

 

 

أوروبا تطالب بمقعد وتخشى صفقة فوق رأسها

 

في هذه الأجواء، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول روسيا إلى الجلوس على طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لكنه شدد على أن أي حل لا يمكن أن يتم من دون ألمانيا والاتحاد الأوروبي، لأن القضية تتعلق بأمن القارة وبالضمانات المستقبلية لأوكرانيا.

 

وقال فاديفول خلال وجوده في مكسيكو سيتي إن النزاع وصل إلى مرحلة تتطلب وضع حد له، لكنه أكد أن الضمانات الأمنية المحتملة لكييف، ومسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، لا يمكن التفاوض بشأنهما إلا مع الأوروبيين ومن خلالهم، لا عبر ترتيبات ثنائية تستبعدهم.

 

وتحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاتجاه نفسه، إذ رأى أن الوقت حان لاستئناف المحادثات من أجل سلام دائم، داعيًا إلى إعادة تنظيم الحوار للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإحلال السلام، في إشارة إلى رغبة باريس في عدم ترك الملف بالكامل للإدارة الأميركية.

 

وتكشف المواقف الألمانية والفرنسية قلقًا أوروبيًا متزايدًا من أن تؤدي وساطة واشنطن، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب، إلى صفقة تركز على وقف القتال سريعًا من دون معالجة الضمانات الأمنية طويلة المدى، أو من دون ضمان طريق أوكرانيا إلى أوروبا.

 

لذلك لا تطالب أوروبا بالمشاركة من باب الشكل الدبلوماسي فقط، بل لأنها ترى أن أي اتفاق سيعيد رسم معادلة الأمن شرق القارة، وسيحدد علاقة روسيا بالحدود الأوروبية لسنوات طويلة، وهو ما يجعل استبعاد الأوروبيين من التفاوض مساسًا مباشرًا بأمنهم السياسي والعسكري.

 

 

الكونغرس يتحرك والقتلى يوسعون ضغط الميدان

 

في واشنطن، أقر مجلس النواب الأميركي حزمة مساعدات واسعة لأوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا، في تصويت بلغ 226 صوتًا مؤيدًا مقابل 195، مع دعم محدود من نواب جمهوريين، قبل إحالة المشروع إلى مجلس الشيوخ، ثم إلى الرئيس دونالد ترامب لاعتماده أو رفضه.

 

وتشمل الحزمة، بحسب تقارير أميركية، دعمًا عسكريًا وماليًا لكييف، وتمديد برامج مساعدة أمنية، إلى جانب توسيع العقوبات على قطاعات روسية، في خطوة تعكس محاولة داخل الكونغرس لتثبيت الالتزام الأميركي تجاه أوكرانيا رغم انتقادات ترامب السابقة لحلف شمال الأطلسي.

 

كما يدين مشروع القانون جرائم الحرب الروسية، ويدعو موسكو إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ودونيتسك ولوهانسك، وهي صياغة سياسية تصطدم مباشرة بالشروط الروسية التي ترفض العودة إلى حدود ما قبل الغزو.

 

ميدانيًا، قالت السلطات الأوكرانية إن هجومًا روسيًا بطائرات مسيرة استهدف منشأة صناعية غذائية في منطقة كييف، وأسفر عن مقتل 4 أشخاص، فيما تحدثت السلطات المحلية عن مقتل مدنيين آخرين في زابوريجيا وخيرسون ودنيبروبتروفسك خلال موجة قصف روسية جديدة.

 

وقال الجيش الأوكراني إن روسيا أطلقت ليلًا صاروخين و216 طائرة مسيرة بعيدة المدى، وإن الدفاعات الأوكرانية أسقطت 198 منها، وهي أرقام تعكس أن الحرب لا تزال تعمل بمنطق الاستنزاف اليومي، رغم كل التصريحات السياسية عن القمة والهدنة والمفاوضات.

 

وفي النهاية، تكشف آخر التطورات أن الحرب الأوكرانية تقف بين مسارين متناقضين، رسالة من زيلينسكي تريد نقل الصراع إلى تفاوض مباشر، ورفض روسي يطلب اتفاقات مسبقة، وضغط أوروبي يريد مقعدًا لا يمكن تجاوزه، وحركة أميركية تجمع بين المساعدات والعقوبات، بينما يدفع المدنيون ثمن كل يوم تأخير على الأرض.