في وقت يتجه فيه ملايين المصريين إلى الذهب باعتباره الملاذ الأكثر أماناً لحفظ القيمة وحماية المدخرات من تقلبات الأسواق، برز خطر جديد يهدد هذا الاستثمار التقليدي يتمثل في انتشار السبائك والجنيهات الذهبية المغشوشة.
ومع الارتفاعات القياسية التي شهدتها أسعار المعدن النفيس خلال الأشهر الأخيرة، تنامت أنشطة شبكات متخصصة في التزوير والتزييف، مستغلة إقبال المواطنين على الشراء ورغبتهم في اقتناص عروض بأسعار أقل من السوق.
وتحولت قضية الذهب المغشوش إلى أحد أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام والجهات الرقابية، بعدما كشفت الأجهزة الأمنية عن ضبط تشكيلات عصابية احترفت تصنيع وبيع سبائك وجنيهات مزيفة تحمل مواصفات وأغلفة مشابهة للمنتجات الأصلية، في محاولة للاستيلاء على مدخرات المواطنين وتحقيق أرباح طائلة من عمليات النصب والاحتيال.
طفرة الأسعار تفتح الباب أمام المحتالين
شهدت سوق الذهب خلال الفترة الماضية موجة ارتفاعات غير مسبوقة دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى التوجه نحو شراء السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها أداة ادخار واستثمار أكثر أماناً من غيرها.
ومع تحقيق الذهب مكاسب كبيرة منذ بداية العام، ارتفع حجم الطلب بصورة ملحوظة، الأمر الذي خلق بيئة مثالية لظهور سوق موازية تعتمد على البيع خارج القنوات الرسمية، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المنصات الإلكترونية مجهولة المصدر.
ويؤكد متعاملون في السوق أن الإقبال المتزايد على شراء الذهب شجع بعض العصابات على ابتكار وسائل جديدة للتزوير، مستفيدة من محدودية خبرة بعض المشترين الذين يبحثون عن الأسعار الأقل دون التأكد من مصدر المنتج أو سلامة مستنداته.
ولم تقتصر عمليات التزوير على المنتج نفسه، بل امتدت إلى إعداد فواتير مزيفة تحمل أسماء محال ذهب معروفة لإضفاء المصداقية على عمليات البيع وخداع الضحايا.
كما تمكنت الأجهزة الرقابية من ضبط كميات كبيرة من المشغولات الذهبية والفضية المقلدة داخل عدد من المناطق التجارية، قبل طرحها للبيع على أنها منتجات أصلية.
تجار الصاغة: الأزمة خارج المحال المرخصة
يرى عدد من تجار الذهب أن الأزمة الحقيقية لا تكمن داخل المحال النظامية الخاضعة للرقابة، بل في عمليات البيع التي تتم عبر صفحات التواصل الاجتماعي والجهات غير المرخصة.
ويؤكد أصحاب محال الصاغة أن التاجر المعتمد يخضع لرقابة مستمرة من الجهات المختصة، كما أن سمعته التجارية ورأس ماله يجعلان من المستحيل تقريباً المخاطرة ببيع منتجات مغشوشة.
ويشيرون إلى أن أغلب حالات الغش التي يتم اكتشافها تبدأ عندما يحضر أحد المواطنين إلى محل صاغة لبيع سبيكة أو جنيه ذهبي سبق أن اشتراه عبر الإنترنت أو من شخص غير معروف، ليكتشف بعد الفحص أن القطعة مزيفة أو غير مطابقة للمواصفات.
البحث عن السعر الأرخص يقود إلى الخسارة
يؤكد خبراء سوق الذهب أن العامل المشترك في معظم عمليات الاحتيال يتمثل في محاولة بعض المشترين الحصول على أسعار أقل من الأسعار الرسمية.
ويحذر الخبراء من أن الفارق البسيط الذي يسعى المشتري إلى توفيره قد يتحول إلى خسارة كاملة لقيمة المبلغ المدفوع إذا تبين أن السبيكة أو الجنيه الذهبي مزيف.
كما يشددون على ضرورة الابتعاد عن العروض غير المنطقية التي تنتشر عبر الإنترنت، خاصة تلك التي تعرض الذهب بأسعار تقل بشكل واضح عن الأسعار المعلنة في السوق.
الفاتورة الرسمية خط الدفاع الأول
مع تصاعد محاولات الغش، أصبحت الفاتورة الرسمية أحد أهم عناصر الحماية للمستهلك.
ويؤكد العاملون في القطاع أن الفاتورة ليست مجرد مستند لتحديد السعر، بل تمثل وثيقة قانونية تثبت ملكية الذهب وتضمن حقوق المشتري في حال ظهور أي مشكلة لاحقاً.
ويجب أن تتضمن الفاتورة بيانات دقيقة تشمل الوزن الصافي للقطعة، والعيار، ورقم الدمغة الرسمية، وقيمة المصنعية، والضرائب المستحقة، فضلاً عن بيانات المحل الذي أجرى عملية البيع.
ويؤدي غياب هذه البيانات إلى صعوبة إثبات الملكية أو المطالبة بالحقوق القانونية في حال اكتشاف أي عملية غش.
كيف يكتشف الصائغ الذهب المغشوش؟
داخل ورش الصاغة تعتمد عملية اكتشاف الغش على مجموعة من الاختبارات الفنية والأجهزة المتخصصة.
ويعد اختبار المغناطيس من أكثر الوسائل شيوعاً، إذ إن الذهب الخالص لا ينجذب إلى المغناطيس، ما يساعد في كشف بعض أنواع المعادن المستخدمة في التزوير.
إلا أن المختصين يؤكدون أن هذه الطريقة ليست كافية دائماً، لأن بعض المحتالين يستخدمون النحاس في عمليات الغش، وهو معدن لا يتفاعل مع المغناطيس أيضاً.
ولهذا السبب تعتمد محال الصاغة الحديثة على أجهزة تحليل دقيقة قادرة على تحديد مكونات المعدن ونسبة الذهب الموجودة فيه، بما يتيح كشف محاولات التلاعب في العيار أو الوزن.
صفحات التواصل الاجتماعي في دائرة الاتهام
تتصدر الصفحات الإلكترونية مجهولة المصدر قائمة المخاطر التي تهدد المشترين، وفقاً لتحذيرات خبراء القطاع.
وتعتمد هذه الصفحات على نشر عروض جذابة وأسعار مخفضة لجذب العملاء، بينما تفتقر إلى أي بيانات قانونية أو تجارية يمكن الرجوع إليها عند حدوث مشكلة.
ويرى المتخصصون أن انتشار التجارة الإلكترونية غير المنظمة في قطاع الذهب ساهم في زيادة فرص الاحتيال، خاصة مع صعوبة التحقق من هوية البائع أو جودة المنتج قبل إتمام عملية الشراء.

