اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي البارز توماس فريدمان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أخفق في أداء أهم واجباته بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، متهماً إياه بإدارة البلاد بعقلية تخدم مصالحه الشخصية والسياسية أكثر مما تخدم المصالح الوطنية للولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات أمنية وعسكرية متصاعدة في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية.
وفي مقال مطول نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، رسم فريدمان صورة قاتمة لمستقبل القيادة الأمريكية في ظل سياسات ترمب، مؤكداً أن الرئيس يتصرف بصورة أقرب إلى "قائد سارق" منه إلى قائد أعلى مسؤول عن توحيد الأمة وحماية مصالحها الإستراتيجية.
الجبهة الداخلية في مهب الانقسام
يرى فريدمان أن الولايات المتحدة تخوض مرحلة حساسة تتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية مع إيران وانتشار عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يفرض على الرئيس الأمريكي مسؤولية تاريخية تتمثل في توحيد الصف الداخلي وحشد الدعم الوطني خلف المؤسسة العسكرية.
إلا أن الكاتب يؤكد أن ترمب لم يتخذ أي خطوات جادة لتحقيق هذا الهدف، بل على العكس، انشغل بخوض معارك سياسية داخلية وتصفية الحسابات مع خصومه، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
ويشير فريدمان إلى أن الجنود الأمريكيين المنتشرين في مناطق الصراع يحتاجون إلى الشعور بأن بلادهم تقف خلفهم بشكل موحد، محذراً من أن الانقسامات الداخلية الحادة تمنح خصوم واشنطن انطباعاً بأن الولايات المتحدة أقل تماسكا وأكثر عرضة للضغوط السياسية والعسكرية.
صندوق التعويضات يثير عاصفة من الجدل
ومن بين أبرز الملفات التي أثارت انتقادات فريدمان، مشروع صندوق التعويضات الذي سعت إدارة ترمب إلى إنشائه بقيمة تقترب من 1.7 مليار دولار.
وبحسب ما ورد في المقال، فإن الإدارة الأمريكية بررت المشروع بأنه يهدف إلى تعويض أشخاص تعرضوا لما وصفته بـ"التسييس القضائي" خلال إدارة الرئيس السابق، إلا أن منتقدين اعتبروا أن الصندوق يمثل محاولة لمكافأة شخصيات ومجموعات موالية لترمب.
ويشير الكاتب إلى أن بعض المستفيدين المحتملين من المشروع ارتبطت أسماؤهم بأحداث اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، وهو ما أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
كما استشهد فريدمان بموقف زعيم الجمهوريين السابق في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل الذي وصف المشروع بأنه "خاطئ أخلاقياً وغبي تماماً"، في إشارة إلى حجم الجدل الذي أثاره حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه.
انتكاسة قضائية للبيت الأبيض
وشكل قرار قضائي بوقف المشروع مؤقتاً ضربة قوية للإدارة الأمريكية، حيث رأى مراقبون أن القرار يعكس حجم الاعتراضات القانونية والسياسية التي تواجه المبادرة.
ورغم أن ترمب ألمح لاحقاً إلى إمكانية إعادة طرح المشروع أو تعديله مستقبلاً، فإن فريدمان اعتبر أن الأموال المرصودة له كان يمكن أن تُستخدم في ملفات أكثر أهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية، وعلى رأسها دعم أوكرانيا في مواجهتها المستمرة مع روسيا.
ويؤكد الكاتب أن تخصيص هذه المبالغ الضخمة لتعويض شخصيات محسوبة على ترمب يثير تساؤلات حول أولويات الإدارة الأمريكية في مرحلة تشهد تحديات أمنية ودولية متزايدة.
اتهامات بتضارب المصالح
ولم تتوقف انتقادات فريدمان عند حدود مشروع التعويضات، بل امتدت إلى ما وصفه باستخدام النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب شخصية.
وأشار المقال إلى بند مثير للجدل يتعلق بمنع السلطات الأمريكية مستقبلاً من متابعة بعض المطالبات الضريبية القائمة ضد ترمب أو أفراد من عائلته وشركاته، معتبراً أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن تضارب المصالح واستغلال السلطة الرئاسية.
ويرى الكاتب أن مثل هذه الإجراءات تعزز الانطباع المتنامي لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين بأن مؤسسات الدولة تُستخدم أحياناً لخدمة مصالح سياسية وشخصية ضيقة بدلاً من خدمة المصلحة العامة.
"القائد المتاجر" في البيت الأبيض
وفي محور آخر من مقاله، تناول فريدمان الانتقادات التي طالت تعاملات ترمب المالية، مستشهداً بتقارير تحدثت عن تنفيذ الرئيس الأمريكي آلاف عمليات شراء وبيع الأسهم خلال الأشهر الأولى من ولايته الجديدة.
وبحسب المقال، فإن بعض هذه التعاملات شملت شركات تتأثر بشكل مباشر بقرارات وإجراءات تصدرها الإدارة الأمريكية، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن تضارب المصالح وإمكانية تحقيق مكاسب مالية من معلومات أو قرارات ذات تأثير اقتصادي واسع.
كما نقل الكاتب عن ريتشارد بينتر، المستشار السابق للأخلاقيات في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، قوله إن مثل هذه الممارسات كانت ستُعتبر جريمة لو صدرت عن مسؤولين آخرين في الحكومة الأمريكية، حتى لو كانت قانونية من الناحية الفنية بالنسبة للرئيس.
تراجع ثقة الحلفاء الأوروبيين
وعلى الصعيد الدولي، حذر فريدمان من أن سياسات ترمب لا تثير القلق داخل الولايات المتحدة فقط، بل تدفع الحلفاء التقليديين لواشنطن إلى إعادة تقييم علاقتهم الإستراتيجية مع القوة العظمى الأولى في العالم.
ووفقاً للمقال، فإن القلق الأوروبي لم يعد مقتصراً على التهديد الروسي، بل بدأ يشمل المخاوف من السياسات الأمريكية نفسها، خاصة بعد تصريحات ترمب المثيرة للجدل بشأن كندا وغرينلاند، إلى جانب فرض رسوم جمركية على شركاء الولايات المتحدة والحد من بعض أشكال الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا.
أوروبا تبحث عن بدائل
ونقل فريدمان عن الخبير الجيوسياسي نادر موسوي زاده قوله إن ردع الولايات المتحدة في عهد ترمب أصبح بالنسبة لبعض الحلفاء أولوية لا تقل أهمية عن ردع روسيا.
ويرى موسوي زاده أن دول حلف شمال الأطلسي بدأت بالفعل في البحث عن وسائل لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والدفاع والتمويل، تحسباً لأي تغيرات مفاجئة في السياسات الأمريكية مستقبلاً..
كما أشار المقال إلى خطوات أوروبية اعتبرها مراقبون غير مسبوقة، من بينها إرسال قوات محدودة من عدة دول أوروبية إلى غرينلاند دعماً للدنمارك، في مؤشر على تنامي الشكوك بشأن التزام واشنطن التقليدي بأمن حلفائها.
تحذير من تآكل النفوذ الأمريكي
وفي ختام مقاله، حذر فريدمان من أن الأزمة الحالية تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن ما وصفه بـ"تشويه مؤسسة الرئاسة" قد يؤدي إلى نتائج بعيدة المدى تمس مكانة الولايات المتحدة الدولية وشبكة تحالفاتها الإستراتيجية.
وأكد أن استمرار هذا النهج قد يضعف ثقة الحلفاء بواشنطن ويقوض النفوذ الأمريكي الذي بُني على مدى عقود منذ الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، مشدداً على أن الولايات المتحدة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة قادرة على توحيد الداخل الأمريكي والحفاظ على مكانة البلاد العالمية وسط عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات متزايدة.

