أظهرت اضطرابات سوق المعادن الاستراتيجية، منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، ارتفاعا متسارعا في أسعار معادن تدخل في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، بينها التنجستين والجرمانيوم والجرافيت والكوبالت والليثيوم واللانثانوم، مع تراجع المخزونات وزيادة الطلب العسكري على الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
وتكشف هذه التطورات أن الحرب لم تعد تقتصر على ساحات القتال أو أسعار النفط فقط، بل امتدت إلى قلب الصناعات الحديثة، حيث تتنافس الجيوش والشركات على معادن محدودة تتحكم في إنتاج السلاح والطائرات والرادارات والبطاريات والسيارات الكهربائية، ما يفتح أزمة عالمية أوسع من حدود إيران.
المعادن النادرة تتحول إلى وقود الحرب الجديدة
تسببت الحرب التي يشنها الاحتلال والولايات المتحدة على إيران في هزة مباشرة داخل سوق المعادن الاستراتيجية النادرة، بعدما ارتفع الطلب على المواد المستخدمة في الصناعات الدفاعية، خصوصا مع استهلاك كميات ضخمة من الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي خلال الأسابيع الأولى من المواجهة.
وتشمل المعادن التي تعرضت لضغوط سعرية التنغستن والجرمانيوم والغرافيت، إلى جانب الكوبالت والليثيوم واللانثانوم، وهي مواد لا تظهر للمستهلك في صورتها الخام، لكنها تدخل في قلب أنظمة التوجيه والمجسات والبطاريات والمغناطيسات والمعدات العسكرية عالية الدقة.
وقال الخبير الاقتصادي سامي أمين إن ما يحدث اليوم لا يمثل ارتفاعا عابرا في أسعار المعادن النادرة والاستراتيجية، بل بداية انتقال العالم من اقتصاد الطاقة إلى اقتصاد المعادن الاستراتيجية، لأن الحروب الحديثة والصناعات المتقدمة لم تعد تتحرك بالنفط وحده.
وتعني هذه العبارة أن ساحة الصراع الاقتصادي تغيرت، فالدولة التي تمتلك النفط لم تعد وحدها صاحبة النفوذ، بل دخلت المعادن الحساسة إلى مركز القوة، لأنها تحدد قدرة الدول على إنتاج الطائرات والصواريخ والرادارات والرقائق والسيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة.
صدمة الطلب العسكري تهدد المخزونات
أشار أمين إلى أن الحرب رفعت الطلب العسكري بشكل مفاجئ على الصناعات الدفاعية، وهذه الصناعات تعتمد بصورة أساسية على المعادن النادرة والاستراتيجية، لأن كل نظام قتالي متقدم يحتاج إلى مكونات دقيقة لا يمكن تعويضها بسهولة عند تعطل سلاسل الإمداد.
وتتمثل الصدمة الأولى في زيادة الطلب العسكري، إذ استهلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها كميات كبيرة من المعدات وأنظمة الدفاع الجوي، بما يعني نقصا في المخزونات وزيادة لاحقة في الطلب على المعادن الاستراتيجية اللازمة لتعويض ما تم استخدامه في المواجهة.
وتزداد خطورة هذه الصدمة لأن بعض هذه المعادن لا يدخل في منتج واحد فقط، بل يتوزع بين السلاح والتكنولوجيا المدنية، فالتنغستن يستخدم في تطبيقات صناعية ودفاعية، والجرمانيوم يرتبط بالبصريات والإلكترونيات، والغرافيت عنصر أساسي في البطاريات وسلاسل الطاقة الحديثة.
كما أن أنظمة مثل توماهوك وباتريوت والمقاتلات الحديثة تحتاج إلى شبكات توريد معقدة من المعادن والسبائك والمكونات الإلكترونية، ولذلك لا يؤدي استمرار الحرب إلى استهلاك ذخائر فقط، بل يضغط على مصانع التعدين والمعالجة والشحن والتخزين حول العالم.
وفي هذه البيئة، لا يتحرك السعر بسبب المضاربة وحدها، بل بسبب الخوف من نقص فعلي في الإمدادات، إذ تتجه الدول إلى بناء مخزونات احتياطية، وتبحث الشركات عن عقود طويلة الأجل، بينما تخشى الصناعات المدنية أن تسبقها الجيوش إلى شراء المواد المتاحة.
الصناعات المدنية تدفع فاتورة الصراع
لا تقف آثار ارتفاع أسعار المعادن عند القطاع العسكري، لأن المعادن الاستراتيجية تدخل كذلك في السيارات الكهربائية والهواتف والرقائق والمعدات الطبية والطاقة المتجددة، ما يعني أن استمرار الحرب قد يرفع تكاليف الإنتاج في قطاعات مدنية يعتمد عليها المستهلكون يوميا.
وتضم المعادن الاستراتيجية طيفا واسعا من المواد المهمة للاقتصاد والأمن القومي، مثل التيتانيوم والتنغستن والكروم والكوبالت، وهي معادن تحتاجها الصناعة المدنية والعسكرية معا، ولذلك يؤدي أي اضطراب في سوقها إلى ضغط مزدوج على الحكومات والشركات والمستهلكين.
أما المعادن النادرة فهي فئة محددة تضم 17 عنصرا كيميائيا، من أبرزها النيوديميوم والديسبروسيوم واللانثانوم، وتدخل هذه العناصر في صناعة الرادارات والصواريخ والطائرات المقاتلة والسيارات الكهربائية والمغناطيسات فائقة القوة، ما يجعلها شديدة الحساسية في أوقات الصراع.
وبسبب هذا التداخل بين الاستخدام المدني والعسكري، يمكن أن تتحول الحرب إلى سبب مباشر في تأخير مشروعات صناعية أو رفع أسعار منتجات تكنولوجية، لأن الشركات التي تنتج البطاريات أو السيارات الكهربائية أو المعدات الإلكترونية ستنافس وزارات الدفاع على المواد نفسها.
وتظهر الأزمة بشكل أوضح عندما ترتبط هذه المعادن بسلاسل إمداد محدودة، لأن أي نقص في المخزون أو قيود على التصدير أو زيادة مفاجئة في الشراء العسكري قد يخلق موجة غلاء لا تستطيع الصناعات المدنية امتصاصها بسرعة، خاصة في الاقتصادات المستوردة.
وفي النهاية، تكشف حرب إيران أن العالم دخل مرحلة لا تقل فيها المعادن الاستراتيجية أهمية عن النفط والغاز، فكل صاروخ يطلق وكل نظام دفاعي يعمل يستهلك جزءا من مخزون عالمي حساس، ومع استمرار القتال تصبح الصناعات المدنية رهينة سباق عسكري لا تتحكم فيه.

