تعيش عائلات قطاع غزة المحاصر كارثة يومية مع نقص المواد الأساسية وارتفاع أسعار القليل المتوفر منها، في ظل حصار خانق وتراجع دعم بعض المؤسسات الإغاثية، ما جعل أسرًا كاملة تبيت ليالي بلا طعام، وتنتظر وجبة من تكية أو نصف ربطة خبز لا تكفي غداء واحدًا.

 

وتكشف معاناة النازحين في خيام خان يونس ودير البلح أن الأزمة لم تعد نقصًا عابرًا في المساعدات، بل انهيارًا في قدرة الناس على الوصول إلى الطعام، بعدما فقدت الأسر مصادر دخلها، وتضاعفت تكاليف المواصلات، وتراجعت برامج الطوارئ قبل أن تتوفر أي شروط حقيقية للتعافي.

 

نازحون بلا خبز ولا فرص عمل

 

تعكس عائلة محمد صورة قاسية لما تعيشه معظم العائلات الفلسطينية في قطاع غزة، إذ يبيت أفرادها في بعض الليالي بلا طعام، بينما يبحث الأب منذ أشهر عن أي فرصة عمل توفر الحد الأدنى من احتياجات أسرته، لكنه لم يجد مصدر دخل يعينه على شراء الخبز أو الطعام.

 

ويقيم محمد مع عائلته المكونة من 5 أفراد على شاطئ البحر في خان يونس جنوب القطاع، بعد النزوح من مكان سكنه، ويتوجه يوميًا إلى تكية قريبة أملا في الحصول على وجبة لأطفاله، لكنه يعود في بعض الأيام وهو يحمل طنجرة فارغة.

 

ويقول النازح إن السؤال اليومي داخل الخيمة لم يعد عن نوع الطعام، بل عن مصدر الحصول عليه، إذ تمر الأسرة أحيانًا يومًا أو يومين من دون خبز، وتضطر إلى طلب أرغفة من الجيران كي يتمكن الأطفال من تناول أي شيء يسد الجوع.

 

وتوزع بعض التكيات في أيام محددة كميات محدودة من الخبز على النازحين، لكن الأعداد الكبيرة في المخيمات تجعل كثيرين خارج التوزيع، فيتحول الوقوف في الطوابير إلى احتمال مفتوح، قد ينتهي بوجبة بسيطة أو بخيبة جديدة تضاف إلى يوم النزوح الطويل.

 

وبلغ عجز محمد حد عدم القدرة على استلام طرد غذائي وصلته رسالة بشأنه، إذ تلقى صباح الأحد الماضي إخطارًا على هاتفه لاستلام طرد من دير البلح، لكنه لم يخرج من خان يونس بسبب عدم توفر 24 شيكلًا تقريبا، وهي كلفة المواصلات ذهابا وإيابا.

 

ويقول نازحون إن كلفة المواصلات تضاعفت بنحو 4 مرات مقارنة بما قبل الحرب، ما يجعل الوصول إلى المساعدات نفسه عبئًا إضافيًا على الأسر، فالعائلة قد تعرف أن لها طردًا غذائيًا في مكان آخر، لكنها تعجز عن جلبه بسبب غياب المال.

 

وقبل فترة قصيرة، كانت مخيمات كثيرة تحصل على ربطة خبز كاملة وزنها 2 كيلو بشكل شبه يومي، موردة من برنامج الغذاء العالمي، أما اليوم فتراجع التوزيع بشدة، وقد لا تحصل الأسرة إلا على نصف ربطة كل 3 أيام، وهي كمية لا تكفي وجبة واحدة.

 

تقليص الدعم يضرب التكيات

 

في ظل هذا الواقع، تراجع عمل بعض مؤسسات الإغاثة التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا للطعام الجاهز، وقال أحد العاملين في منظمة المطبخ المركزي العالمي إن الإدارة سرحت مئات العاملين بنظام المياومة، وسط تقليص كبير في نشاط المطابخ داخل القطاع خلال الفترة الأخيرة.

 

وأوضح الموظف، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن إدارة المطبخ أوقفت 462 موظفًا عن العمل بعد انتهاء عقودهم المؤقتة وعدم تجديدها، وكان آخر يوم لهم في 20 يوليو الجاري، قبل منحهم مكافأة نهاية خدمة وتسريحهم من دون توضيح كاف للأسباب.

 

وذكر العامل أن المطبخ وصل في فترات سابقة إلى إنتاج مليون وجبة يوميًا، وأن أقل مطبخ كان يقدم نحو 600 قدر كبير في اليوم، بينما يقدم المطبخ الذي يعمل فيه حاليًا نحو 200 قدر فقط، ما يعني أن التقليص بلغ قرابة 65%.

 

وانعكس هذا التراجع مباشرة على المخيمات المستفيدة، إذ توقفت الوجبات في بعض المناطق أو تقلصت كمياتها، وظهر ذلك بوضوح خلال زيارة ميدانية لإحدى التكيات العاملة غرب خان يونس قرب البحر، حيث يبذل العاملون جهدًا كبيرًا لإعداد الطعام وسط شح المواد ومحدودية الدعم.

 

وقال نضال الأخرس، مدير عمليات منتدى شارك الشبابي، إن التكيات أنشئت لتيسير حصول النازحين على الطعام داخل مخيماتهم، في ظل الفقد الشديد للمواد الأساسية وغياب مصادر الدخل، وتعمل هذه التكيات على طهي الوجبات وتوزيعها بالتنسيق مع مؤسسات دولية داعمة.

 

وأضاف الأخرس أن المنتدى يعمل مع برنامج الغذاء العالمي والمطبخ العالمي لتأمين الطعام والخبز للعائلات، لكن ربطة الخبز الكاملة تحولت الآن إلى نصف ربطة، رغم استمرار المعاناة وعدم انتهاء الظروف الطارئة التي دفعت إلى إنشاء هذه التكيات أصلًا.

 

ويرى الأخرس أن بعض المؤسسات الدولية بدأت مبكرًا في تحويل برامج الطوارئ إلى برامج تعاف، عبر إرسال مبالغ مالية إلى المحافظ الإلكترونية للعائلات كي تشتري ما تحتاجه، بينما يثبت الواقع أن الأسواق لا تحتوي ما يكفي بأسعار مناسبة، وأن المبالغ لا تسد الاحتياج.

 

وأوضح أن المؤسسات تنظر إلى إنتاج الطعام الجاهز بوصفه مكلفًا بسبب الاستيراد والنقل، وتسعى إلى تنشيط الأسواق المحلية عبر دعم الشراء من المحال التجارية، لكن هذا التدخل لا يناسب ظروف غزة الحالية، حيث ترتفع الأسعار بشدة وتغيب القدرة على الطهي.

 

نقص الوقود يهدد حياة سكان القطاع

 

يزداد تعقيد الأزمة مع نقص الغاز والخشب في القطاع، لأن الأسرة التي تحصل على مواد غذائية غير مطهية لا تستطيع دائمًا إعدادها، ما يجعل الطعام الجاهز ضرورة إنسانية لا رفاهية، خصوصًا للنازحين في الخيام والمناطق التي تفتقر إلى أدوات الطهي والوقود.

 

وقال الأخرس إن الوقت لا يزال مبكرًا للانتقال إلى مرحلة التعافي، لأن الناس في حاجة شديدة إلى وجبات جاهزة، خاصة في ظل غياب الوقود وشح الحطب، مؤكدًا أن تقليص خدمات الطعام أوقف العمل في بعض المخيمات رغم استمرار الاحتياج الشديد.

 

وتواجه التكيات مشكلات إضافية تتعلق بعدم تنوع المواد الغذائية، إذ تقتصر المكونات غالبًا على العدس والأرز، وهي أصناف لا تلبي الاحتياج الغذائي الكامل للإنسان، ومع ذلك تضطر التكيات إلى طهي ما يصلها من المؤسسات الداعمة في ظل محدودية الخيارات المتاحة.

 

وردًا على شكاوى مواطنين بشأن ضعف جودة الطعام وغياب التنوع، قال الأخرس إن الأمر مرتبط بنوعية المواد التي تتسلمها التكيات، وإن القائمين عليها ناشدوا المؤسسات مرارًا ضرورة إدخال أصناف متنوعة، مثل الخضار واللحوم المجمدة المتوفرة داخل القطاع، لكن الاستجابة لم تحدث.

 

وتؤكد هذه الشهادات أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الطعام، بل بنوعيته وقدرته على حماية الأسر من سوء التغذية، فالعائلة التي تعيش أسابيع على وجبات مكررة وفقيرة لا تحصل على احتياجات الأطفال والمرضى وكبار السن، حتى إن نجت من الجوع المباشر.

 

نقص حاد ومتفاقم في المواد الغذائية الأساسية

 

وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن القطاع يعاني نقصًا حادًا ومتفاقمًا في المواد الغذائية الأساسية بسبب استمرار الحصار والإغلاق ومنع الاحتلال إدخال الكميات الكافية من المساعدات والبضائع التجارية، ما يضرب الأمن الغذائي لأكثر من 2.4 مليون مواطن.

 

وأضاف الثوابتة أن الجهود المبذولة لتنظيم توزيع ما يتوفر من مواد غذائية لا تغير حقيقة أن الكميات الداخلة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، خاصة مع ارتفاع الفقر والنزوح وتدمير مصادر الدخل والإنتاج المحلي في مختلف مناطق القطاع.

وأوضح أن القيود المفروضة على إدخال السلع الأساسية والوقود تؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة التشغيلية للمخابز والمنشآت الحيوية، وهو ما يفاقم معاناة السكان وينذر بمزيد من التدهور الإنساني والمعيشي في قطاع محاصر.

 

وفي النهاية، لا تختصر مأساة غزة في طنجرة فارغة أو نصف ربطة خبز، بل في منظومة كاملة من الحصار وندرة الغذاء وتقليص المساعدات وغياب الوقود والدخل، تجعل كل وجبة معركة يومية، وتحول النجاة إلى انتظار طويل أمام تكية قد لا تكفي الجميع.