يقترن الحديث عن العجلة غالبا بالذم، بينما يقترن التأني بالحكمة والاتزان، فقد روى الترمذي بسند حسنه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد». فالأصل أن يتثبت المسلم في أقواله وأفعاله، وألا يدفعه الحماس أو الغضب إلى قرارات يندم عليها.
ومع ذلك، يوضح د. رمضان أبو علي أن الشريعة لم تجعل التأخير فضيلة في كل موضع، بل حثت على المبادرة حين يكون التأخير سببا في ضياع العبادة أو الحقوق أو المصالح، ودعت المسلم إلى المسارعة في الطاعات، وقضاء الديون، وإكرام الضيف، وإصلاح ذات البين، والتوبة من الذنوب، لأن الخير قد تفوته الفرصة إذا سوّف الإنسان وأطال الانتظار.
الصلاة في أول وقتها
من أعظم ما يستحب للمسلم المبادرة إليه أداء الصلاة في وقتها، فهي صلة العبد بربه، وأول ما يحاسب عليه يوم القيامة، ولا ينبغي أن تؤخر بسبب الانشغال بأمور الدنيا.
ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها».
وفي مسند أحمد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يا علي لا تؤخرهن، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا».
فالمؤمن الصادق لا ينتظر حتى يضيق وقت الصلاة أو تتراكم عليه الأشغال، بل يبادر إليها حين يؤذن المؤذن، مستشعرا أن ما عند الله خير وأبقى.
تعجيل الجنازة
ومن إكرام الميت ألا يؤخر تجهيزه ودفنه دون حاجة معتبرة، لأن الشريعة أرشدت إلى الإسراع بالجنازة، رحمة بالميت وصيانة له، وتخفيفا عن أهله.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن كانت غير ذلك كان شرا تضعونه عن رقابكم».
وروى ابن أبي الدنيا عن أيوب أنه قال: كان يقال: «من كرامة الميت على أهله تعجيله إلى حفرته».
وفي سنن أبي داود عن الحصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله».
فالسنة أن يبادر أهل الميت إلى غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ما لم توجد ضرورة طبية أو قانونية معتبرة تستدعي الانتظار.
الزواج عند وجود الكفء
ومن الأمور التي نهت الشريعة عن تعطيلها تزويج الرجل والمرأة عند وجود صاحب الدين والخلق، لأن المبالغة في الشروط والتعلل بالكماليات قد يفتحان أبواب الفتنة والفساد.
ففي سنن الترمذي بسند حسنه الألباني عن أبي حاتم المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
كما جاء في حديث علي رضي الله عنه: «ثلاثة يا علي لا تؤخرهن، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا».
فإذا وجد الرجل أو المرأة الشريك الصالح، واستطاعا تحمل مسؤوليات الزواج، استحب لهما عدم تأخير الأمر بسبب مظاهر اجتماعية أو تكاليف مرهقة أو أوهام لا رصيد لها في الواقع.
أداء الحقوق وقضاء الديون
ومن العجلة المحمودة المبادرة بأداء الحقوق إلى أصحابها، فمن اشترى شيئا فليبادر بدفع ثمنه، ومن اقترض مالا فليحرص على سداده، ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى صاحبها من غير مماطلة.
وفي «حلية الأولياء» عن حاتم الأصم قال: كان يقال: «العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب».
وقد عد الإسلام تأخير القادر لسداد الدين ظلما، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم».
كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة الدين، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين».
فلا ينبغي للمسلم أن يستهين بحقوق الناس أو يؤخرها وهو قادر على أدائها، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، ولا تسقط بمجرد التوبة أو كثرة الأعمال الصالحة.
إكرام الضيف بالطعام
ومن حسن الضيافة أن يبادر المسلم إلى تقديم الطعام لضيفه، وألا يتركه ينتظر بلا حاجة، لأن تعجيل الطعام من تمام الإكرام وحسن الاستقبال.
قال الغزالي: تعجيل الطعام من إكرام الضيف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وهو حديث متفق عليه.
وأضاف الغزالي أنه إذا حضر أكثر المدعوين وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الموعد، كان حق الحاضرين في تعجيل الطعام أولى من حق المتأخرين في الانتظار، إلا إذا كان المتأخر فقيرا أو كان تقديم الطعام دونه سببا في كسر قلبه، فلا بأس بالتأخير مراعاة لشعوره.
وقد مدح الله تعالى ضيافة إبراهيم عليه السلام، فقال: «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين» الذاريات: 24.
ومن معاني إكرامهم أنه عجل بتقديم الطعام إليهم، كما قال تعالى: «فما لبث أن جاء بعجل حنيذ» هود: 69.
وقال سبحانه: «فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين» الذاريات: 26.
والروغان هو الذهاب بسرعة، وقيل في خفية، وقيل إن المقصود أنه جاء بفخذ من لحم، وإنما سمي عجلا لأنه عجله ولم يلبث في إحضاره.
المبادرة إلى التوبة
ومن أعظم الأمور التي لا تحتمل التأخير التوبة من الذنوب، لأن الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله، ولا يعلم هل تبقى في قلبه قوة على الرجوع بعد التسويف.
قال الله تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين» آل عمران: 133.
وقال عز وجل: «فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» المائدة: 48.
فالمسلم مأمور بأن يسارع إلى الطاعات قبل أن تشغله الدنيا، أو تضعف همته، أو يزين له الشيطان التسويف، فيقول: سأتوب غدا أو سأبدأ حين تتحسن ظروفي.
والتوبة الصادقة تكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه، ورد الحقوق إلى أهلها إن تعلق الذنب بحقوق العباد.
تعجيل الفطر للصائم
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر بعد تحقق غروب الشمس، وعدم تأخيره بدعوى الاحتياط أو التشدد، لأن الخير في اتباع السنة لا في مخالفتها.
ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».
فإذا غربت الشمس دخل وقت الفطر، ويستحب للصائم أن يبادر إلى الإفطار، ولو على تمرات أو ماء، ثم يصلي المغرب، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
الإصلاح بين المتخاصمين
ومن أبواب الخير التي ينبغي المسارعة إليها إنهاء الخصومات وإصلاح ذات البين، لأن استمرار الهجر يفسد القلوب ويقطع الأرحام ويمنح الشيطان فرصة لتوسيع الخلاف.
ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
فخير المتخاصمين من يكسر حاجز الكبر، ويبادر بالسلام والاعتذار والصلح، ولا ينتظر أن يأتيه الآخر أولا، لأن المبادرة ليست ضعفا، بل عبادة ورفعة عند الله.
ميزان المسلم بين التأني والمبادرة
الأصل في شؤون الحياة أن يتأنى المسلم ويتثبت، خصوصا في الحكم على الناس، ونقل الأخبار، واتخاذ القرارات المصيرية، أما في الطاعات والحقوق والخيرات، فالمبادرة أولى، لأن التأخير قد يضيع الفرصة أو يوقع الظلم.
فالعجلة المذمومة هي التي تسبق التفكير والحكمة، أما المسارعة المحمودة فهي التي تقود إلى رضا الله وأداء الحقوق وإغاثة المحتاج وإصلاح القلوب، وبذلك يجمع المؤمن بين حكمة التأني وهمة المبادرة إلى الخير.

