كشفت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا خلال ندوة دولية في لندن بعنوان الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام في مصر عن تقييمات حادة قدمها أكاديميون وصحفيون وخبراء دوليون، وانتهت الندوة إلى توصيف المشهد الحقوقي بأنه شديد القتامة.
ويربط هذا التقييم بين وقائع الاعتقال التعسفي وأحكام الإعدام وتراجع الحريات العامة وبين استمرار دعم دولي للقاهرة، لأن المواطن المصري لا يواجه سلطة أمنية داخلية فقط، بل يواجه منظومة سياسية تحصل على الغطاء الخارجي بينما تتوسع أدوات القمع داخل السجون والمحاكم والإعلام.
إعدام واسع وقضاء تحت الاتهام
في البداية، ركز البروفيسور ويليام شاباس على ملف عقوبة الإعدام، باعتباره مدخلًا مباشرًا لقياس حالة العدالة في مصر، وقال إن القاهرة ما تزال تستخدم الإعدام على نطاق واسع مقارنة بدول ألغت العقوبة أو أوقفت تنفيذها عمليًا، وهو ما يضعها ضمن دائرة دول محدودة.
ثم أشار شاباس إلى أن مصر تنفذ سنويًا عشرات أحكام الإعدام، وتصدر أحكامًا أخرى تحيط بها مشكلات في إجراءات التقاضي وضمانات الدفاع، ولذلك لم يتعامل مع العقوبة كملف جنائي منفصل، بل كعلامة على انهيار أعمق في منظومة المحاكمة العادلة.
بعد ذلك، ربط المتحدثون بين أحكام الإعدام والاعتقال التعسفي، لأن الحكم النهائي لا يبدأ في قاعة المحكمة وحدها، بل يبدأ من لحظة القبض والاحتجاز والتحقيق، وحين تغيب الضمانات في هذه المراحل يصبح مسار العدالة ملوثًا من بدايته حتى لحظة النطق بالحكم.
وفي هذا السياق، تكتسب مداخلة شاباس وزنًا إضافيًا لأنه أستاذ قانون دولي وخبير في القانون الجنائي الدولي، وقد وضع مصر إلى جانب دول مثل الصين وإيران والسعودية في استخدام الإعدام المنتظم، وهذا التصنيف يفضح خطابًا رسميًا يحاول تقديم الأزمة كاستثناء محدود.
كما أكد طرح الندوة أن الانتهاكات لا تقف عند حكم الإعدام نفسه، لأن أسر المحكوم عليهم تعيش تحت ضغط قانوني واجتماعي واقتصادي ممتد، بينما تترك الدولة هذه الأسر تواجه الخوف وحدها من دون شفافية كافية أو ضمانات تتيح مراجعة جادة للأحكام المثيرة للجدل.
لذلك، ظهر ملف الإعدام خلال الندوة كدليل على أن السلطة لا تستخدم القانون لحماية المجتمع فقط، بل تستخدمه أيضًا لتثبيت الخوف وإغلاق المجال العام، خصوصًا عندما تتداخل القضايا ذات الخلفية السياسية مع محاكمات لا تحظى بثقة حقوقية محلية أو دولية.
الدعم الأمريكي يحمي السلطة من كلفة الانتهاكات
في المحور الثاني، تحدث الباحث ستيفن زونز عن دور الولايات المتحدة في استمرار دعم القاهرة، واعتبر أن المساعدات العسكرية السنوية التي تبلغ نحو 1.3 مليار دولار تمثل عنصرًا أساسيًا في بقاء الوضع القائم، لأنها تمنح السلطة المصرية شعورًا بأن الضغط الحقوقي محدود الأثر.
ثم أوضح زونز أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة استخدمت استثناءات مرتبطة بالأمن القومي لتجاوز شروط حقوقية كانت يفترض أن تقيد جزءًا من المساعدات، وبذلك تحولت لغة الشراكة الاستراتيجية إلى غطاء سياسي يسبق ملف السجون والمحاكم وحرية التعبير في ترتيب الأولويات.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو أزمة حقوق الإنسان في مصر داخلية فقط، لأن العواصم المؤثرة تعرف حجم الانتهاكات وتستمر في التمويل والتنسيق العسكري والأمني، ثم تكتفي بعبارات قلق لا تمنع حكومة القاهرة من مواصلة النهج نفسه مع المعارضين والصحفيين والنشطاء.
في المقابل، أشار المشاركون إلى أن الاعتبارات الجيوسياسية تفسر جانبًا من هذا الصمت، فملفات الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والحرب في غزة والعلاقات في الشرق الأوسط تمنح القاهرة مساحة تفاوض واسعة، لكنها لا تبرر ترك الضحايا من دون حماية دولية فعالة.
ومن هنا، يخدم رأي زونز هذا المحور لأنه يضع التمويل العسكري في قلب المعادلة، لا في هامشها، فالمساعدات لا تصل إلى دولة محايدة حقوقيًا، بل إلى سلطة تتهمها منظمات دولية بالاعتقال التعسفي والتعذيب وتقييد المجتمع المدني ومحاكمة أصحاب الرأي.
بالتوازي، انتقد الصحفي مارتن بلوت ما وصفه بالصمت الدولي تجاه الأوضاع الحقوقية في مصر، وطرح سؤالًا واضحًا عن غياب مواقف أكثر حزمًا من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لأن المؤسسات الدولية تملك أدوات ضغط لكنها لا تستخدمها بما يكفي أمام القاهرة.
ولهذا، بدت الندوة كإدانة مزدوجة للحكومة المصرية وللداعمين الخارجيين معًا، فالقاهرة تتحمل المسؤولية المباشرة عن الاعتقال والمحاكمات، بينما تتحمل القوى الدولية مسؤولية سياسية عندما تواصل الدعم ثم تتعامل مع ملف الحقوق كملحق صغير في علاقات الأمن والمصالح.
الخوف يطارد الصحافة والمجتمع
في المحور الثالث، عرض الصحفي مايكل بينيون صورة قاتمة لبيئة الصحافة في مصر، وقال إن المشهد الإعلامي يشهد تضييقًا متزايدًا خلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية، ولذلك لم تعد المشكلة محصورة في صحفي مسجون أو موقع محجوب، بل في مجتمع يخاف الكلام.
ثم ربط بينيون هذا المناخ باستخدام أحكام السجن والإعدام كأدوات ردع تتجاوز أثرها المباشر على المحكوم عليهم، لأن الرسالة تصل إلى الصحفي والباحث والطالب والموظف، وتقول لهم إن التعبير المستقل قد يحمل كلفة شخصية وعائلية لا تستطيع أغلب الأسر احتمالها.
كذلك، قدم المحلل السياسي كالفن دارك توصيفًا أكثر صرامة، إذ قال إن ما يجري في مصر لا يمكن اختزاله في انتهاكات فردية، بل يعكس منظومة قمع مؤسسية تشمل القضاء والاحتجاز وإعادة تدوير القضايا وغياب المحاكمات العادلة والضغط المتواصل على الأسر.
وبناء على ذلك، يصبح الخوف جزءًا من البنية اليومية للحكم، لأن السلطة لا تحتاج إلى اعتقال كل المعترضين حتى تسكت المجتمع، بل يكفي أن تترك أمثلة متكررة من الحبس المطول وإعادة التدوير والأحكام القاسية كي يدير الناس حياتهم وفق حدود الخوف.
إضافة إلى ذلك، ناقش المشاركون أثر السياسات الأمنية على الأسر والمجتمع، لأن المعتقل لا يغيب وحده عن بيته، بل يغيب معه الدخل والاستقرار والقدرة على التخطيط، وتتحول الزيارات والمحامين والرسوم والانتظار إلى عبء يومي يقع غالبًا على النساء والأطفال وكبار السن.
وفي الخلفية، تواصل الحكومة المصرية الدفاع عن إجراءاتها بوصفها إجراءات قانونية مرتبطة بتحديات أمنية وإقليمية، لكن هذا الدفاع يفقد قيمته عندما تتراكم تقارير الاعتقال التعسفي والمحاكمات غير العادلة وتراجع حرية الصحافة، لأن القانون لا يصبح قانونًا بمجرد أن تنطق به السلطة.
لذلك، تكشف الندوة أن الأزمة الحقوقية في مصر ليست ملفًا هامشيًا يمكن تأجيله خلف الاقتصاد أو الإقليم، بل هي جزء من طريقة إدارة الدولة نفسها، فحين يغيب العدل تتسع كلفة الخوف، وحين يصمت الخارج تحصل السلطة على وقت إضافي لتثبيت القمع.
في النهاية، وضعت الندوة الحكومة المصرية أمام اتهام واضح لا تحتمله بيانات النفي المعتادة، لأن الاعتقال والإعدام وتقييد الصحافة والصمت الدولي تشكل مسارًا واحدًا لا وقائع متناثرة، والمعيار الحقيقي الآن ليس ما تقوله القاهرة عن القانون، بل ما يعيشه المواطن أمام الزنزانة والمحكمة والصحيفة.

