كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في القاهرة ارتفاع بؤر إصابة الماشية بمرض الجلد العقدي إلى 18 بؤرة خلال عام 2025 مقابل 11 بؤرة في 2024 بنسبة زيادة بلغت 63.6%، لتضع الأرقام ملف التحصين البيطري وحماية الثروة الحيوانية أمام مساءلة مباشرة.

 

وتأتي هذه الزيادة بينما تعلن وزارة الزراعة حملات قومية للتحصين ضد الجلد العقدي وجدري الأغنام، ما يجعل الفارق بين بيانات التحصين ونتائج الإصابة سؤالا سياسيا ومهنيا لا يمكن دفنه داخل لغة الأرقام الرسمية، لأن المربي الصغير يدفع تكلفة المرض قبل أن تصل إليه بيانات الطمأنة الحكومية.

 

ارتفاع الجلد العقدي يضغط على المربين

 

بدأت خطورة المؤشر من طبيعة المرض نفسه، إذ يصيب الجلد العقدي الأبقار والجاموس، وينتقل غالبا عبر الحشرات الماصة للدم، خصوصا الناموس والذباب والقراد، ولذلك لا يكفي إعلان حملة تحصين عامة إذا ظلت مكافحة الحشرات والرقابة الحقلية والتقصي الوبائي خارج مستوى الخطر.

 

كما أوضح الجهاز أن المرض من الأمراض المستوطنة، وأن زيادة انتشار الناموس خلال 2025 ساهمت في ارتفاع بؤر الإصابة، وهذا التفسير لا يعفي الحكومة من المسؤولية، لأنه يكشف أن الجهات المعنية كانت تعرف قناة انتقال المرض بينما فشلت في منع تحوله إلى بؤر أوسع.

 

وتزداد كلفة الأزمة عندما ترتفع أعداد الماشية والحيوانات التي جرى علاجها من الأمراض الباطنة إلى 830 ألف حالة عام 2025 مقابل 782 ألف حالة عام 2024 بنسبة زيادة 6.1%، لأن العلاج اللاحق لا يعوض خسائر اللبن والوزن والجلود والخصوبة عند المربين.

 

ومن هنا يخدم رأي الدكتور مجدي حسن، النقيب العام للأطباء البيطريين، هذا المحور مباشرة، إذ يؤكد أن التحصينات تمثل حائط الصد الأول لحماية الثروة الحيوانية، وأن التعامل المبكر مع أي بؤرة مرضية يوفر على الدولة ملايين الجنيهات من الخسائر الاقتصادية والصحية.

 

التحصين المعلن لا يغلق فجوة الوقاية

 

في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة ختام الحملة القومية للتحصين ضد الجلد العقدي وجدري الأغنام في أبريل 2026 بتحصين 3,938,812 رأس ماشية على مستوى الجمهورية، بينها 2,609,073 رأس أبقار ضد الجلد العقدي و1,329,739 رأس أغنام وماعز ضد جدري الأغنام.

 

لكن هذا الرقم الكبير لا يلغي سؤال الفاعلية، لأن ارتفاع البؤر في 2025 يعني أن منظومة الوقاية لم تمنع تمدد المرض قبل وصوله إلى 18 بؤرة، كما أن التحصين وحده لا يصمد إذا غابت مكافحة الحشرات وتحركت الحيوانات المصابة بين الأسواق والقرى دون رقابة صارمة.

 

كذلك قال الدكتور حامد الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، إن الحملة شملت الترقيم والتسجيل والتقصي الوبائي والتعامل الفوري مع حالات الاشتباه، وهي عناصر مهمة على الورق، لكن الأرقام الجديدة تجعل معيار الحكم هو تراجع البؤر فعليا لا اكتمال الإجراءات في البيانات.

 

لذلك تتحول المسألة إلى اختبار إداري واضح، لأن الحكومة لا تستطيع أن تطلب من المربين الالتزام بالتحصين الدوري ثم تترك الوحدات البيطرية تحت ضغط نقص الكوادر أو ضعف التغطية الريفية أو تأخر الاستجابة الميدانية، فكل تأخير يسمح للحشرات والعدوى بتحويل الإصابة الفردية إلى بؤرة معلنة.

 

الدواجن تتحسن والماشية تكشف الخلل الأوسع

 

في الوقت نفسه، أظهر تقرير الإحصاء تراجعا لافتا في بؤر إصابة الدواجن بمرض إنفلونزا الطيور إلى 7 بؤر عام 2025 مقابل 42 بؤرة عام 2024 بنسبة انخفاض بلغت 83.3%، وهو تراجع يبرز التناقض بين تحسن ملف الدواجن وتدهور مؤشر الجلد العقدي في الماشية.

 

وتراجعت أعداد الدواجن التي جرى علاجها من الأمراض الباطنة إلى 1.9 مليون حالة عام 2025 مقابل 2.1 مليون حالة عام 2024 بنسبة انخفاض بلغت 9.8%، ما يعني أن قطاع الدواجن قدم مؤشرا أفضل، بينما بقيت الماشية الحلقة الأضعف داخل منظومة الصحة البيطرية.

 

وعلى هذا الأساس، لا يجوز للحكومة أن تستخدم نجاحا نسبيا في إنفلونزا الطيور لتغطية صعود الجلد العقدي، لأن كل قطاع له مسار عدوى مختلف، وكل ملف يحتاج خطة مستقلة، خصوصا أن الماشية تمثل دخلا مباشرا للأسر الريفية ومخزونا غذائيا مرتبطا باللحوم والألبان.

 

ويمنح طرح الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، بعدا اقتصاديا لهذه الأزمة، لأن الأمن الغذائي لا يقوم على الإنتاج النباتي وحده، بل يحتاج إلى ثروة حيوانية صحية قادرة على خفض كلفة الغذاء وتقليل الاعتماد على الاستيراد وحماية دخل المنتج الصغير.

 

وبسبب ذلك، يصبح ارتفاع الجلد العقدي بنسبة 63.6% إنذارا يتجاوز الطب البيطري إلى الاقتصاد الاجتماعي في الريف، لأن المربي الذي يفقد إنتاج اللبن أو يتحمل مصروفات علاج إضافية لا يواجه مرضا حيوانيا فقط، بل يواجه تآكل دخله في ظل موجة أسعار لا ترحم.

 

وتكشف المقارنة بين الجلد العقدي وإنفلونزا الطيور أن المشكلة ليست في قدرة الدولة على إصدار نشرات أو إطلاق حملات، بل في قدرة الأجهزة البيطرية على إغلاق مسار العدوى قبل إعلان البؤرة، وربط التحصين بمكافحة الحشرات وتنظيم الأسواق والانتقال السريع إلى مواقع الاشتباه.

 

وتبقى الخلاصة أن 18 بؤرة للجلد العقدي ليست مجرد رقم في نشرة سنوية، بل دليل على خلل في الوقاية المسبقة وتباطؤ في حماية الثروة الحيوانية، وإذا لم تتحول البيانات إلى محاسبة ميدانية واضحة فسيدفع المربي والدولة والمستهلك ثمن المرض في اللبن واللحوم والأسعار.