شريف أيمن

كاتب وصحافي مصري

 

يعد مفهوم السيادة أحد أبرز مفاهيم العلوم السياسية، وهي تنقسم إلى قسمين؛ داخلية وخارجية، وتفيد الأولى بَسْط الدولة سيادتها على كامل إقليمها، فتحفظ الأمن وتفرض الضرائب وتضع التشريعات، وما إلى ذلك من صور عمل النظام السياسي. وتفيد الثانية صدور قرارات الدولة دون إملاء أو تحكم من أي طرف خارجي، ودون أحقية دولة في فرض أمر على دولة أخرى، بل تخضع التعاملات الدولية على أساس من المساواة، وهذا ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، المادة 2/1: "تقوم الهيئة [الأمم المتحدة] على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها".

 

هذا الإطار يبدو نموذجيّا إذا كان التطبيق يوافق التصور النظري، لكن الممارسة السياسية، خاصة في العلاقات الدولية، لا تأبه بهذه المفاهيم إطلاقا، وتسيطر أفكار التوسع والتمدد والاستيلاء على البقاع الجغرافية أو الثروات، ويرتبط التوسع ارتباطا وثيقا بزيادة قوة الدولة التوسعية، وإضعاف أي منافس محتمل إذا لم يكن تحييده ممكنا.

 

يصطدم مشروع التوسع، على مدى التاريخ البشري، بمقاومة المستعمِر والنضال ضده، ولم يكن النضال أو المقاومة محل تشكيك أو انتقاص من أي طرف وطني يقدِّر أهمية استقلال تراب الوطن، أو استقلال قرار النظام السياسي من الضغوط الخارجية، وهذه المقاومة تتنوع صورتها بتنوع صورة التأثير، فتارة تأخذ صورة المقاومة السياسية في المحافل الدولية، وتارة تأخذ صورة المقاومة العسكرية لاحتلال الأرض، وتارة تأخذ صورة اقتصادية بتعزيز التوجه نحو المنتَج المحلي ومقاطعة الأجنبي، وغير ذلك من صور الاستقلال.

 

هذا الاستقلال هو التعبير الفعلي عن مفهوم السيادة الوطنية، وهو ما تمارسه حركات المقاومة في المنطقة في وجه مشروع الاحتلال الصهيوني، وأيضا الأمريكي، بما في ذلك الحالة اللبنانية التي تختلف قليلا من ناحية الشكل، إذ تعتمد النزعة الاستقلالية على فصيل وطني لا الدولة المركزية. وهذه الصورة أيضا لم تكن محل استنكار قديما في تاريخ المنطقة قبل مرحلة زوال الاحتلال العسكري، فكانت الأحزاب والحركات الوطنية لديها تشكيلات عسكرية تهاجم الاحتلال. وفي مصر كانت الحركة التي غيرت النظام السياسي منخرطة في هجمات ضد مصريين متعاونين مع الاحتلال، ولم تكتفِ بمهاجمة الاحتلال فقط، وقوبل ذلك كله بترحاب شعبي، وتقدير رسمي لأفراد هذا النظام بعدما أمسك بمقاليد الحكم، رغم صدور تصرفات من أعضاء الحركة ضد مصريين وُصِفوا بالخيانة.

 

هذا الإطار المقاوِم هو أصل الطبيعة البشرية، فالناس لا يرضون بالاستعلاء والقهر والذل، وتمارِس حركات المقاومة في المنطقة حقها مدفوعة بفطرة بشرية نقية لا تشوبها شائبة الانهزام الحضاري، أو إغراء مال العدو، أو ترهيبه بالقوة الغاشمة، وهي من هذا المنطلق ترفض تسليم سلاحها، وتعد ذلك انتقاصا من سيادتها الوطنية وكرامتها، فمن حق أي طرف أي يحوز السلاح الذي يردع به المجرمين حوله، وإن كان المجرم مدجَّجا بالسلاح، فعلى المعتَدَى عليه أن يكافئه في القوة لا أن يُنتَقَص من سلاحه البسيط الذي يملكه.

 

وفي السياق ذاته، يمكن وصف الموقف الإيراني، فإيران مطالَبَة بألا تمتلك برنامج صواريخ طويلة المدى، وتخضع لرقابة تسليحها، ورقابة أخرى على استخدامها للمنشآت النووية، في حين أن عدوها الإقليمي يملك ترسانة أسلحة تعد الأحدث والأكثر فتكا في العالم، ولديها برنامج نووي عسكري وليس سلميّا، ولديها عشرات الرؤوس النووية على أقل تقدير، ورغم ذلك تطالَب إيران بكل وقاحة بألَّا تصنع معادلة تردع هذا الطرف من استخدام أسلحته الأكثر تقدما وفتكا!

 

من حق إيران، وأي دولة في العالم، أن تملك الأسلحة التي تحمي بها سيادتها، أيّا كان نوع السلاح، وإذا وُجدت معاهدة حقيقية وفعالة لمنع انتشار السلاح النووي أو غيره من الأسلحة الفتاكة، فحينها يمكن للأصوات أن ترتفع مطالِبة أي دولة بالخضوع لهذه المعاهدة، لكن الواقع ليس هكذا، بل تريد القوى الوحشية في العالم أن تمتلك الأسلحة وتمنع غيرها من امتلاكها، وتصنعَ الردع دون أن يردها طرف مقابل، ما يعني غياب السيادة لأي وِحدة دولية أمام تلك القوى الدموية.

 

إن أوصاف الدموية والوحشية ليست من قبيل المبالغة، فالحقيقة الماثلة للعيان، أن الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي هي الولايات المتحدة، والدولة التي أبادت شعوبا بأسلحتها الاستعمارية في فيتنام والعراق وأفغانستان كانت هي، والدولة التي تتحكم في مصائر العالم بالفساد والإفساد هي، ولا يزال رئيسها يلمح إلى استخدام السلاح النووي على نطاق واسع وهو يقول إنه سيعيد الإيرانيين إلى العصر الحجري، وسيبيد الشعب، فأي إجرام هذا!

 

يفوق الولايات المتحدة في الإجرام هذا الكيان الذي نشأ على أيدي مجرمين وقتلة من العصابات الصهيونية، ثم صاروا حكَّاما يمارسون القتل بالملابس المدنية، وفي الحاضر، وطَوال فترة حرب الإبادة على قطاع غزة، شاهدنا جرائم غير مسبوقة وقتلا ممنهجا للمدنيين لاستعادة الهيبة التي مرَّغها المقاومون في التراب، وبدت للعالم وحشية هذا الكيان بعدما كان يتغافل عنها، ووجد أنه لا توجد دولة تهدد باستعمال السلاح النووي ضد شعب آخر إلا في هذا الكيان الإجرامي، على لسان وزراء ومسؤولين في مستويات الحكم كافة، ويطالبون دوما باحتلال أراضٍ أخرى في إطار مشروع يُسمى "إسرائيل الكبرى"، ويقومون بقرصنة بحرية في المياه الدولية، وجرائم اغتيال في دول أخرى، وهجمات عسكرية على دول الجوار دون أي مبرر للعدوان.

 

هذا الوضع الدولي يجعل أي فعل غير مقاوِم تعبيرا صارخا وفاضحا عن الانبطاح والاستسلام، وهو ما أَبَتْه حركات المقاومة وإيران، ولهم كل الدعم في هذا المسار الذي يمثل السيادة الكاملة، وهو دعم مرهون باستقامة خط المقاومة وتوجيه الفِعْل نحو العدو، لا نحو أبناء وطنهم أو أمتهم.