حذر الدكتور ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب في مصر، اليوم عبر طلب إحاطة موجه إلى رئيس الوزراء و6 وزارات، من تزايد استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن بواسطة سماسرة الهجرة غير الشرعية، وتحول قرى مصرية إلى بيئات طاردة للشباب.

 

ويضع هذا التحرك الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الظاهرة لا تنمو داخل فراغ اجتماعي، بل داخل قرى فقدت فرص العمل والتعليم والتأهيل. الأسرة التي تدفع ابنها إلى المجهول لا تبحث عن مغامرة، لكنها ترى البحر أقل قسوة من بطالة ممتدة ووعود رسمية مكررة.

 

قرى تطرد أبناءها بدلًا من أن تحميهم

 

بعد ذلك، كشف طلب الإحاطة أن الهجرة غير الشرعية تحولت في بعض المحافظات من قرار فردي إلى مشروع أسري، بعدما روّج السماسرة للفكرة باعتبارها طريقًا سريعًا لتحسين الدخل. هذا التحول يفضح فشل الحكومة في كسر دائرة الفقر داخل القرى الأكثر تصديرًا للمهاجرين.

 

لذلك، لم تعد المشكلة في مركب يغادر أو شاب يحاول العبور، بل في بيئة محلية تدفع الأطفال إلى تصديق الوعود القاتلة. القرية التي لا يجد فيها الطالب تدريبًا أو عملًا أو أفقًا عادلًا تصبح مخزنًا مفتوحًا لشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

 

وهنا، يخدم الدكتور أيمن زهري محور القرى الطاردة بصفته خبيرًا في دراسات الهجرة والسكان، لأن أبحاثه تناولت قرى مصرية معروفة بإرسال مهاجرين غير نظاميين إلى أوروبا. هذه القراءة تجعل الهجرة نتيجة مباشرة للفشل التنموي، لا مجرد انحراف شبابي مفاجئ.

 

كما أن حديث الهضيبي عن تحول الهجرة إلى حلم جماعي يكشف غياب البديل الاقتصادي القابل للتصديق. الدولة تطلق مبادرات وتدريبات، لكنها لا تمنح الأسر دخلًا مستقرًا ولا وظائف محلية كافية، فتترك السمسار يبيع الوهم بلغته البسيطة وأرقامه السريعة.

 

سماسرة يستغلون الأطفال والدولة تكتفي بالتحذير

 

في المقابل، شدد طلب الإحاطة على أن شبكات السمسرة والاتجار بالبشر تستهدف الأطفال والطلاب وصغار السن بوعود العمل والثراء السريع. هذه الشبكات لا تتحرك في الظلام فقط، بل تستفيد من العجز الحكومي عن مراقبة الاستقطاب داخل القرى وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ثم تتصاعد الخطورة عندما تتعامل بعض الأسر مع رحلة الطفل باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا للأسرة كلها. فالأب أو القريب يدفع مقدم الرحلة، والسمسار يتعهد بالوصول، والطفل يتحول إلى سلعة داخل طريق قد ينتهي بالموت أو الاختفاء أو الابتزاز أو العمل القسري.

 

ومن هذه الزاوية، تخدم السفيرة نائلة جبر محور الاتجار بالبشر وحماية الأطفال، بحكم رئاستها للجنة الوطنية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر. فقد ربطت تصريحاتها السابقة بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، وطالبت بتغليظ العقوبات على السماسرة.

 

كذلك، تكشف أرقام المنظمة الدولية للهجرة أن طرق الهجرة لم تعد مجرد مخاطرة عابرة، إذ سجلت المنظمة 7,667 وفاة وفقدانًا على طرق الهجرة خلال 2025، بينها 2,185 حالة في البحر المتوسط. هذه الأرقام تجعل ترويج الرحلات للأطفال جريمة منظمة لا وعدًا بالعمل.

 

وعي غائب ومدارس خارج المواجهة

 

في الوقت نفسه، أشار الهضيبي إلى ضعف البرامج الثقافية والتعليمية والإعلامية التي تكشف حقيقة ما يتعرض له المهاجرون غير النظاميين. هذا الضعف يمنح السمسار مساحة أكبر من المدرسة ومركز الشباب، لأن رسالته تصل أسرع وأوضح وأكثر ارتباطًا باحتياج الأسرة للمال.

 

لذلك، تتحمل وزارات التعليم والشباب والتضامن والعمل مسؤولية لا تقل عن الأجهزة الأمنية. الطالب الذي يسمع عن قارب الهجرة من هاتفه ولا يسمع عن بديل آمن من مدرسته يصبح فريسة سهلة لمن يبيع له أوروبا كطريق وحيد للخروج من الفقر.

 

وعلى هذا الأساس، تخدم الدكتورة عادلة رجب محور التوعية والبدائل المؤسسية، بصفتها أستاذة اقتصاد ورئيسة وحدة بحوث ودراسات الهجرة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. فهي تربط ملف الهجرة غير الشرعية بالتنمية والاستثمار في البشر والتعريف بمزايا الهجرة النظامية.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي أن تعقد الحكومة ندوات متفرقة أو تطلق حملة موسمية داخل المدارس. المطلوب قاعدة بيانات للمناطق الأكثر تصديرًا للهجرة، وتدخل تنموي داخلها، وتدريب مهني قابل للتشغيل، ورقابة على الوسطاء الذين يحولون الفقر إلى سوق مفتوحة للخطر.

 

حكومة تطارد النتيجة وتترك السبب

 

إلى جانب ذلك، يطرح طلب الإحاطة سؤالًا سياسيًا مباشرًا حول جدية الدولة في مواجهة أسباب الهجرة غير الشرعية. فالحكومة تعرف القرى الأكثر هشاشة، وتعرف دور السماسرة، وتعرف أن الأطفال لا يقررون الرحيل وحدهم، لكنها تتحرك غالبًا بعد سقوط الضحايا.

 

وعندما تركز الدولة على الضبط الأمني وحده، يبقى أصل الأزمة قائمًا داخل البيت والمدرسة والقرية. الشبكة الأمنية قد تمنع رحلة، لكنها لا تمنع حلمًا زائفًا يتجدد كلما عاد مهاجر بقصة مال، أو اختفى شاب آخر من دون محاسبة واضحة للسمسار.

 

لذلك، تصبح المواجهة الجادة مشروطة بتجفيف سوق السمسرة من جذورها، لا بملاحقة آخر حلقة في الطريق. الحكومة التي تترك القرى بلا فرص حقيقية ثم تطالب الأهالي بالصبر، تمنح المهربين فرصة ذهبية لملء الفراغ بخطاب قصير ومغر وخطير.

 

وفي النهاية، كشف طلب الإحاطة أن الهجرة غير الشرعية للأطفال ليست حادثًا منفصلًا ولا ملفًا أمنيًا محدودًا، بل شهادة اتهام لسياسات تركت قرى كاملة تبحث عن الحياة خارج الحدود. حماية الأطفال تبدأ من كسر الفقر، لا من عدّ الجثث بعد الغرق.