كشفت منظمة العفو الدولية، أن مصر نفذت أحكام إعدام بحق 23 شخصًا خلال 2025 مقابل 13 شخصًا في 2024، بينما أصدرت المحاكم المصرية 492 حكمًا بالإعدام خلال العام نفسه، بما يمثل زيادة 35% عن 365 حكمًا في العام السابق.
وتضع هذه الأرقام حكومة السيسي أمام ملف شديد القسوة، لأن السلطة التي تبرر الإعدام بالأمن والردع توسع استخدام عقوبة لا رجعة فيها، بينما تشير منظمات حقوقية إلى محاكمات جماعية وقضايا إرهاب ومخدرات وإجراءات لا تضمن دائمًا المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
مصر تضاعف الإعدامات وتوسع طابور الموت
قالت منظمة العفو الدولية إن الإعدامات المسجلة في مصر تضاعفت تقريبًا خلال 2025، بعدما ارتفع العدد من 13 حالة في 2024 إلى 23 حالة في 2025، وذكرت أن الشنق كان وسيلة التنفيذ، وأن امرأة واحدة فقط كانت بين من نفذت بحقهم الأحكام.
وفي الوقت نفسه، أصدرت المحاكم المصرية 492 حكمًا بالإعدام خلال العام، بينها أحكام بحق نساء، وسجلت المنظمة ما لا يقل عن 12 حكمًا في قضايا متعلقة بالمخدرات، بما يعادل 2% من إجمالي الأحكام المسجلة في مصر خلال 2025.
كما تبرز خطورة الرقم عندما يقارن بما نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يناير 2026، إذ رصدت كحد أدنى تنفيذ 15 حكم إعدام شنقًا خلال 2025، وتأييد محكمة النقض إعدام 31 شخصًا، وإصدار محاكم الجنايات أحكامًا على 461 شخصًا.
ويخدم رأي أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، هذا المحور لأنها وصفت استخدام الإعدام عالميًا بأنه أداة لبث الخوف وسحق المعارضة ومعاقبة المجتمعات المهمشة، وهو توصيف يضيء موقع مصر داخل أقلية دولية تصر على القتل باسم القانون.
محاكمات جماعية وقضايا إرهاب تحت ظل المشنقة
أشارت العفو الدولية إلى إحالة آلاف الأشخاص إلى المحاكمة في مصر خلال 2025 على خلفية اتهامات متعلقة بالإرهاب، وبعض هذه الاتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، كما قالت إن بعض المتهمين حوكموا في إجراءات جماعية تزيد القلق حول فردية المسؤولية وضمانات الدفاع.
وبحسب المنظمة، جاءت مصر ضمن الدول التي صدرت فيها أحكام بالإعدام بعد محاكمات لم تستوف المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وهي ملاحظة لا يمكن فصلها عن سنوات من توسع دوائر الإرهاب والطوارئ والمحاكمات الجماعية في التعامل مع المعارضين والمتهمين.
وفي هذا السياق، يخدم رأي فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد السابق في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة العفو الدولية، زاوية المحاكمات الجماعية، لأنه سبق أن وصف موجات إعدام في مصر بأنها أعقبت محاكمات جماعية بالغة الجور.
كذلك يدعم رأي حسين بيومي، الباحث بمنظمة العفو الدولية، زاوية التعذيب والاختفاء، إذ قال في واقعة سابقة مرتبطة بأحكام إعدام سياسية إن بعض المحاكمات في مصر مثلت نصبًا تذكاريًا لانعدام العدالة، بعدما سبقتها حالات اختفاء قسري وتعذيب وانتزاع اعترافات.
مصر في قائمة محدودة عالميًا وإفريقيًا وعربيًا
وضعت أرقام 2025 مصر ضمن 17 دولة فقط في العالم نفذت أحكام إعدام، وضمن ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الإفريقي نفذت الإعدام إلى جانب الصومال وجنوب السودان، وضمن سبع دول عربية نفذت العقوبة بجانب العراق والكويت والسعودية والصومال والإمارات واليمن.
وعالميًا، سجلت منظمة العفو الدولية ما لا يقل عن 2707 إعدامات خلال 2025، وهو أعلى رقم توثقه منذ 1981، باستثناء الصين التي تعتقد المنظمة أنها تنفذ آلاف الإعدامات بينما تظل بيانات عقوبة الإعدام فيها سرية ومحجوبة عن الرقابة المستقلة.
أما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فسجلت المنظمة ما لا يقل عن 2611 إعدامًا خلال 2025، مقابل 1442 في 2024، وشكلت إيران والسعودية وحدهما 96% من إجمالي الإعدامات في المنطقة، بواقع 2159 على الأقل في إيران و356 في السعودية.
وبذلك لا تبدو مصر معزولة عن موجة إقليمية أوسع، لكنها تتحمل مسؤوليتها المحلية كاملة، لأن ارتفاع أحكام الإعدام داخل البلاد ليس نتيجة آلية لسياسات إيران أو السعودية، بل نتيجة منظومة عدالة مصرية تستخدم العقوبة الأشد في قضايا واسعة التعريف وشديدة الحساسية.
المخدرات والإعدام العابر للحدود
قالت منظمة العفو الدولية إن حكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا استخدمت عقوبة الإعدام لقمع المعارضة والرد على تهديدات فعلية أو متصورة للأمن القومي، بينما دفعت سياسات المخدرات العقابية أيضًا إلى تنفيذ إعدامات وإصدار أحكام إعدام لا تستوفي عتبة أشد الجرائم خطورة دوليًا.
وسجلت المنطقة 1240 إعدامًا على خلفية جرائم متعلقة بالمخدرات، أي 47% من الإعدامات المسجلة إقليميًا، وهي نسبة تكشف أن الإعدام لا يستخدم فقط في قضايا القتل، بل يمتد إلى جرائم غير قاتلة يرفض القانون الدولي اعتبارها ضمن أضيق نطاق للعقوبة.
وفي السعودية وحدها، نفذت السلطات 240 إعدامًا بسبب جرائم مخدرات، شملت رعايا أجانب، وكان من بينهم الصياد المصري عصام أحمد الذي أُعدم في ديسمبر الماضي بعد ما وصفته العفو الدولية بمحاكمة فادحة الجور في جرائم غير عنيفة متعلقة بالمخدرات.
كما أعدمت السعودية 16 مصريًا خلال 2025، فيما حذرت 36 منظمة حقوقية في 10 أكتوبر 2025 من تصاعد الإعدامات في المملكة، معتبرة أنها تتركز في قضايا مخدرات وقضايا ترتبط بقمع المعارضة السلمية وحرية التعبير.
وبين مصر والسعودية، يظهر المواطن المصري في قلب الخطر مرتين، مرة داخل بلده أمام محاكم تصدر مئات أحكام الإعدام، ومرة خارج حدوده عندما يقع في أنظمة عقابية أشد قسوة، بينما تغيب حماية سياسية فعالة تمنع تحويل الفقراء والمهمشين إلى أرقام في بيانات الموت.
سباق إقليمي نحو التشديد ومقاومة محدودة للإلغاء
سجلت الكويت 17 إعدامًا خلال 2025، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف العام السابق، بينما سجل اليمن 51 إعدامًا على الأقل، ونفذت الإمارات 3 إعدامات، في حين تباطأت الإعدامات في العراق بعد تعديلات قانونية سمحت بمراجعة القضايا.
وفي المقابل، أيد مجلس الوزراء اللبناني مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، وهو مسار معاكس يكشف أن المنطقة ليست محكومة باتجاه واحد، وأن الحكومات تستطيع تقليص العقوبة أو إلغائها عندما تتوافر إرادة سياسية تحترم الحق في الحياة وضمانات العدالة.
كما أشار التقرير إلى توسع تشريعات الإعدام في المنطقة، فقد أدخلت الجزائر العقوبة على بعض الجرائم المتعلقة بالمخدرات، ووسعت الكويت نطاق قضايا الاتجار بالمخدرات المعاقب عليها بالإعدام، بينما أقرت إسرائيل قانونًا لتوسيع استخدام الإعدام ضد الفلسطينيين.
وتبدو هذه الصورة الإقليمية شديدة الخطورة، لأن عقوبة الإعدام تنتقل من كونها عقوبة استثنائية إلى أداة سياسية وجنائية سهلة التوسع، وكلما اتسع نطاقها تراجعت فرص مراجعة الأخطاء القضائية، وزاد خطر إعدام أشخاص بعد محاكمات مشوبة بخلل أو انتزاع اعترافات.
سرية تنفيذ الأحكام تجعل الأرقام أكثر لا أقل
قالت منظمة العفو الدولية إن بيانات أحكام الإعدام في مصر استندت إلى معلومات قدمتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وإنها تشاورت أيضًا مع المفوضية المصرية للحقوق والحريات، لكنها أوضحت أنها لم تتمكن من تقديم تقدير مؤكد لعدد المحكوم عليهم بالإعدام في البلاد.
وتكشف هذه الملاحظة خطورة مضاعفة، لأن غياب رقم موثوق لمن ينتظرون التنفيذ لا يقل فداحة عن تنفيذ الأحكام نفسها، فالدولة التي تملك السجون والمحاكم والنيابات تخفي حجم طابور الموت، بينما تبقى الأسر والحقوقيون أمام تقديرات ناقصة ومخاطر مفاجئة.
وبذلك تصبح السرية جزءًا من العقوبة، لأن المحكوم عليه وأسرته لا يواجهان الحكم فقط، بل يواجهان الغموض، فلا يعرف الرأي العام العدد الحقيقي، ولا يعرف المجتمع حجم الخطر، ولا تستطيع المنظمات التدخل المبكر عندما تتحول الأحكام النهائية إلى تنفيذ سريع.
وفي النهاية، لا تقدم أرقام 2025 مجرد إحصاء جنائي، بل تكشف اتساع استخدام الدولة لعقوبة لا يمكن إصلاح خطئها، فحين تجمع السلطة بين الإعدام والمحاكمات الجماعية والسرية وقضايا الإرهاب والمخدرات، يصبح السؤال ليس عن الردع، بل عن العدالة الغائبة قبل حبل المشنقة.

